أقلام حره

وجية نزيه يكتب: كيف فَضحت الحَداثة التكنولوجية و الرقمية مُقدساتنا الهشة بتعاملاتنا اليومية في أداب حياتنا العامة ؟

 

هل أفرزت الضغوطات المُتلاحقة و المُتسارعة و المُتصارعة وحوشاً و جحوداً أم أخرجها من مَخابئها و جُحورها حينما تحولت كبائر الجرائم من إستثناء مجتمعي شاذ إلى نمط حياة مُتداول ؟ ) و علي هذا النهج و سياق الموضوع نسترجع ملفات في زوايا الذكريات و الحكايات الشعبية القديمة حينها كان المجتمع المـصــري يُصور ككتلة مُتماسكة تَستُر عيوبها خلف تربية البيوت و أبوابها الموصدة و تجعل من ( العيب ) سياجاً يمنع تَسرب القُبح إلى العَلن و على إستحياء .. كنا نعيش في كنف صمتٍ إجتماعيٍ مُطبق حيث تُدفن الجرائم في مقابر النسيان و يُغلق ملف الفضائح بمجرد أن يُغيم القتيل تحت التراب أو يسدل الستار على الجاني خلف قضبان سجنه ،و أما اليوم تَضُج منصات التواصل و تَتلاحق الجريمة كأخبار عاجلة في كل ساعة ،و من هنا يثور تساؤل مرير : هل أصاب الإنحلال النفسي و الإنعدام الأخلاقي جوهر هذا الشعب الكادح المناضل و الصبور تحت وطأة تراكمات من الفقر و البطالة و ضغوط العيش أم أن التكنولوجيا لم تكن إلا بالتشبيه المجازي مَشرطاً جراحياً شق جلد المجتمع ليكشف ما كان يحويه أحشاءه منذ سنون مضت ؟ !!!

و علي هذا فإن المقارنة بين الماضي و الحاضر تضعنا أمام مرآة مشروخة في تسعينيات القرن الماضي كانت جرائم مثل ( سفاح سيدات منطقة المعادي ) أو تلك ( السيدة التي قتلت زوجها و قطعت جسده و نثرت أشلاءه لتعبئته في اكياسٍ بلاستيكية ) فهذا أو ذاك أحدثت رواجاً بأركان البلاد حينها لسنوات ،و كانت في البداية تُروى كأساطير مُرعبة في مجالس المقاهي و بيوت الجيران و كانت تُعامل كإستثناء صارخ للقاعدة ،و من ثم اُدخلت عن طريق الكوميديا السوداء الساخرة في عدة أفلام و مسرحيات لتسقط من عليها غلاف الرعب و إثارة ضجة الجريمة إلي ضحكات لتسلية المُشاهدات .

و أما اليوم فقد تحولت الجرائم ضمن منظومة التقديم المستمر و العرض المُستدام لحظة بلحظة لتمر كشريط مألوف مُعتاد .. حيث لم نعد نندهش من أبٍ يذبح فلذات كبده أو أمٍ تضع السم في طعام أفراد أُسرتها .. فهذا التحول في إستصاغة القبح المُتكرر و المُستدام بمثابة نقطة تحول للتغيير الحقيقي لمُجتمع يَنحدر شيئاً فشيئاً ،و عليه تآكلت الصدمة و كُسرت الدهشة و بات الدم في عيون المُشاهدين مجرد بَكسلات مُلونة و جذابة على شاشات الهواتف .

و ربما لا يمكن إنكار أن الثقل المادي و الضائقة المعيشية قد ضغطا على الأعصاب حتى كادت تنفجر ،و لكن لم يعد الفقر مجرد نقص في المال فحسب بل هو تآكل للقيم حين يغدو البقاء هو الشغل الشاغل للإنسانية و المجتمع في حين غياب العدالة الإجتماعية تَنبت في الشقوق بذور الإنحراف من تعاطٍ للمخدرات يغيب العقول إلى جرائم بدافع الحاجة أو الغضب المَكبوت ( لكن هل الفقر وحده يبرر أن تَسب صبيةٌ صغيرةٌ الذات الإلهية في الطريق العام و يرتد عن دينه و يُعلن عن كُفره أمام العامة و المارة ؟ !!! ) علي مرأي و مسمع في أوقات الذروة و التَعارُك و حتي في أوقات مباركات كالصيام .. إن هذا التجرؤ في اللفظ و العلانية في الكفر و التفنن في الوحشية يشير إلى خلل تربوي و قيمي عميق يتجاوز لقمة العيش و كَد الحياة و كَبِد مُعاناتها .

و لقد أنتقلنا من حالة الإستتار علي حياء بالخطيئة إلى حالة الفخر و المُجاهرة بالتجاوز و الكبائر حيث بات الصوت العالي و اليد الباطشة هما لغة الحوار السائدة في الفضاء العام ،و لذا فإن التكنولوجيا لم تصنع القاتل و لم تصنع أيضاً المُدمن لكنها جعلت من كل مَستوراً مَعروضاً في واجهة مقدمة العرض ،و نستذكر معاً قبل عصر الهواتف الذكية كان الأب الذي يعنف زوجته أو بنته يظل حبيس جدران بيته مَحمياً بصمت المجتمع و خوف الضحية من نشر الفضيحة ،و أما اليوم لم تعد الفضيحة هاجساً بل أصبحت الفضيحة ذاتها محتوىً يُتداول و مادةً للإستهلاك و أداةً للإنتقام .. فلقد فضحت الحداثة التكنولوجية و الرقمية هذا المجتمع و كشفت أن المسافة بين المُتدين الوديع و الوحش الكاسر هي مجرد ضغطة زر في ثورة غضب و إنتقام .

و علي مُجمل ما ذكرت و تضمنت بسرد مُختصر صريح أن ما نراه الأن ليس تحولاً فجائياً في سلوك المجتمع المـصــري بقدر ما هو إنكشافٌ لنسيجٍ أخلاقي كان يعاني من عفن داخلي صامت غير نشط رواجه .. فلقد كنا نعيش في فقاعة من المثالية المُصطنعة و عندما أنفجرت هذه الفقاعة بفعل التطور التقني و تلاحق الأحداث و جدنا أنفسنا أمام مرآة الحقيقة العارية .

ختاماً إن مـصــر اليوم لا تشهد إنهياراً أخلاقياً حديث الولادة بل تشهد تهاوي و إضطراباً في القيم السليمة و التربية الصحيحة التي قمنا بحمايتها سنوات طوال بالشعارات المدرسية بداية من الأنشطة التربوية و الدروس الدينية بدلاً من مواجهة الخطر الحقيقي .. فالمشكلة ليس في إنتشار الخبر بل في إعتيادنا عليه و في تحول المُجتمع من كيانٍ يرفض العنف و يستهجنه إلى كيانٍ يراقبُ المُذبحة في صمتٍ ثم يخوضها بالتنفيذ بذاته و يمرر إبهامه على الشاشة بحثاً عن التغريدة التالية المُشابهة بالسياق و الداعمة لغرائز إنتقاماته و إشباع لإحتياج رغباته .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock