أقلام حره

بحر قزوين يشتعل: أوكرانيا تضرب إيران بغطاء أوروبي.. فهل رد طهران سيغير قواعد اللعبة؟

 

بقلم محمود سيد محمد.

المؤسسة المصرية للدراسات السياسية والإستراتيجية.

في مشهد غير مألوف لمنطقة بحر قزوين، تعرّضت سفينة تجارية إيرانية لهجوم أوكراني أواخر الشهر الجاري، ما أسفر عن سقوط قتيل وإصابات بين طاقمها. الهجوم الذي وقع قبالة السواحل الإيرانية، فتح باباً واسعاً من التساؤلات حول دوافعه وأبعاده، خصوصاً أن أوكرانيا ليست دولة مطلة على هذا البحر، مما يجعل تنفيذ عملية بهذا المستوى من الدقة أمراً يستدعي التدقيق. وعندما سمعت الخبر تعجبت كيف وصلوا لهناك أصلاً؟ ليس هذا من باب الاستهجان، لكن من باب التساؤل المنطقي الذي يفرض نفسه.

الرواية الأوكرانية الرسمية تحدثت عن استهداف سفن روسية تنقل إمدادات عسكرية من إيران. لكن السفينة المستهدفة كانت تحمل شحنة من الصلب في رحلة تجارية واضحة، ما يجعل التبرير الأوكراني محل شك. هذا التناقض بين الرواية والواقع العملي هو ما دفع طهران للقول بأن الهجوم لم يكن مجرد عملية عسكرية منعزلة، بل حلقة في سلسلة أطول من المواجهة غير المباشرة مع الغرب. وبرأيي المتواضع، الذي لا يدّعي الحياد الأكاديمي، إن ما يحدث هو محاولة مكشوفة نوعاً ما لإشعال المنطقة تحت عناوين جانبية.

اللافت في رد الفعل الإيراني هو ربط الهجوم مباشرة بالاتحاد الأوروبي، وليس بأوكرانيا وحدها. طهران ترى في كييف أداةً تنفذ أجندة إقليمية، ولا تخفي اعتقادها بأن الهجوم لم يكن ليتنفذ دون تنسيق مسبق مع أطراف غربية، سواء أكانت أوروبية أم إسرائيلية. وهو طرح ليس مستبعداً، بالنظر إلى أن عمليات من هذا النوع في بحر شبه مغلق تحتاج غطاء استخباراتياً ولوجستياً يفوق قدرات أوكرانيا وحدها، بل وأيضاً تتطلب جرأة لا تملكها دولة منهكة بحربها مع روسيا، وهذا ما يجعلني أميل شخصياً للرواية الإيرانية ولو جزئياً.

السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يمكن اعتبار هذا الهجوم إعلان حرب من أوروبا على إيران؟ الإجابة، كما أراها، لا يمكن أن تكون بنعم أو لا بشكل مطلق. فالحرب بالمعنى التقليدي، أي إعلان رسمي ومواجهة عسكرية مباشرة، أمر مستبعد في المرحلة الراهنة. لكن ما يحدث هو شكل آخر من أشكال الحرب، حرب بالوكالة تمارس فيها أطراف عدة ضمن ساحات متشابكة. أوكرانيا طرف مباشر، وإيران طرف معني، وأوروبا طرف بالوكالة، وإسرائيل طرف في الخلفية على الأرجح، وكل طرف يحاول تحقيق مكاسب دون دفع الثمن كاملاً.

طهران تحاول عبر احتجاجاتها الدبلوماسية وضع أوروبا أمام مسؤولياتها، مطالبة إياها بكبح جماح حليفتها الأوكرانية، ومحذراً في الوقت نفسه من أن صبرها ليس مطلقاً. التصريحات الإيرانية الأخيرة، لا سيما تلك الصادرة عن عراقجي، حملت نبرة تهديد واضحة، وإن ظل الغموض يكتنف طبيعة الرد المرتقب. وفي تقديري الشخصي، إذا لم تتحرك أوروبا بجدية لاحتواء الموقف، فإن طهران ستجد نفسها مضطرة للرد بطريقة قد لا تكون محسوبة بدقة، وهذا ما يقلقني حقيقة.

يضاف إلى ذلك أن بحر قزوين نفسه يحمل أهمية خاصة لإيران، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، بل الأمنية أيضاً. أي خرق لأمنه تعتبره طهران خطاً أحمر، وهذا يفسر حدة الرد الإيراني وحجم التحركات الدبلوماسية المكثفة، بما في ذلك الاتصالات مع روسيا والمسؤولة الأوروبية كايا كالاس، في محاولة لتشكيل ضغط دولي على أوكرانيا وحلفائها. وأظن أن روسيا نفسها ستكون طرفاً فاعلاً في الأيام القادمة، لأن ما يحدث في بحر قزوين يمس أمنها هو الآخر بشكل مباشر.

في المحصلة، هذا الهجوم ليس مجرد حادثة عابرة، بل نقطة تحول محتملة في صراع الشرق الأوسط الذي يتسع تدريجياً، ودليل إضافي على أن جبهات المواجهة لم تعد محصورة في نطاقها الجغرافي التقليدي. الأيام المقبلة حاسمة لمعرفة ما إذا كانت الأزمة ستحتوي نفسها، أم أن رد إيران، أياً كان شكله، سُيدخل المنطقة في دوامة جديدة من التصعيد. وأتمنى ألا نكون أمام مفاجآت غير سارة، لكن تفاؤلي هذه المرة محدود جداً او أن التفاؤل أشبه بجنين ولد خارج الرحم العاقر..احداث عظام ليست المنطقه فقط ماتمر بها لكنه العالم أجمع لكن العبره من يجعل لنفسه مكان بعد هذه اللعبه وسط هذا الركام.

محمود سيد محمد.
المؤسسة المصرية للدراسات السياسية والإستراتيجية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock