
جريمة القتل… عندما يتحول أحيانًا المجني عليه إلى جانٍ
بين الإنسانية… وجريمة القتل… ووجوب الردع
بقلم: سماح محروس
تُعد جريمة القتل من أبشع الجرائم التي تهز الضمير الإنساني، وتزداد بشاعتها عندما يكون الضحية أحد الوالدين، لما تمثله علاقة الأبوة والأمومة من قدسية ورحمة وقيم إنسانية راسخة. لذلك، فمن الطبيعي أن تكون ردود أفعال الرأي العام غاضبة، وأن يطالب الجميع بأقصى درجات الردع لكل من تسول له نفسه ارتكاب مثل هذه الجرائم.
ولا خلاف على أن الاعتداء على الأم أو الأب فعل مدان أخلاقيًا ودينيًا وقانونيًا، وأن العدالة يجب أن تأخذ مجراها بكل حزم إذا ثبت تعمد الجريمة.
ومع ذلك، فإن العدالة الحقيقية لا تكتفي بالنظر إلى النتيجة، بل تمتد إلى البحث في جميع الظروف والملابسات التي سبقت وقوع الجريمة. فالقضاء العادل لا يصدر أحكامه تحت ضغط الرأي العام، وإنما يستند إلى الأدلة والتقارير والحقائق.
ففي بعض القضايا، قد تكشف التحقيقات عن وجود ضغوط نفسية شديدة، أو اضطرابات نفسية، أو معاناة إنسانية امتدت لسنوات، وربما تراكمت ظروف قاسية أثرت بصورة بالغة في الحالة النفسية للمتهم. وهذا لا يعني تبرير الجريمة أو إسقاط المسؤولية، وإنما يستوجب دراسة الحالة دراسة علمية وقانونية دقيقة لمعرفة مدى تأثير تلك العوامل في السلوك وقت ارتكاب الفعل.
وفي القضية محل الحديث، تردد أن المتهمة عاشت ظروفًا إنسانية صعبة، وعانت لسنوات من أحداث مؤلمة، وابتعد أبناؤها عنها حتى أصبحوا شبابًا لا تعلم عنهم شيئًا، وهو ما قد يكون سببًا في معاناة نفسية كبيرة إن ثبت ذلك بالأدلة والتقارير الطبية المختصة. ومع استمرار الضغوط الحياتية، قد يصل بعض الأشخاص إلى مرحلة من الانهيار النفسي، وهو أمر لا يمكن إثباته أو نفيه إلا من خلال الجهات المختصة.
ولذلك، فإن من الإنصاف ألا نستبق نتائج التحقيقات، وألا نحكم على الوقائع قبل اكتمال الصورة. فليس كل من ارتكب جريمة فعل ذلك وهو بكامل اتزانه النفسي، كما أنه ليس كل من يعاني اضطرابًا نفسيًا يرتكب جريمة. ويبقى الفيصل في ذلك هو ما تثبته التحقيقات والأدلة والتقارير الطبية الشرعية.
إننا لا نطالب بتخفيف العقوبة أو تبرير الجريمة، وإنما نطالب بتحقيق قضائي وجنائي شامل ودقيق، يكشف جميع الملابسات، ويحدد ما إذا كانت الجريمة عمدًا مجردًا من أي مؤثرات نفسية أو مرضية، أم أن هناك عوامل استثنائية أثرت في إدراك الجاني وسلوكه وقت وقوع الحادث.
فإذا ثبت القتل العمد دون أي مبرر أو عارض مؤثر، فإن الردع واجب، وتطبيق القانون ضرورة لحماية المجتمع وصون الأرواح. أما إذا كشفت التحقيقات عن ظروف أو أمراض نفسية أثرت بصورة جوهرية في المسؤولية الجنائية، فإن القانون وحده هو صاحب الكلمة الفصل في تقدير ذلك.
فالعدالة لا تقوم على العاطفة وحدها، ولا على التعاطف وحده، وإنما تقوم على الحقيقة، والدليل، وسيادة القانون.
وفي النهاية، يبقى احترام القضاء واجبًا، والثقة في مؤسسات العدالة هي الضمان الحقيقي لتحقيق الإنصاف، فلا يُدان أحد إلا بدليل، ولا يُبرأ أحد إلا بحقيقة.
العدالة والقانون فوق الجميع.



