
السيسي يبني تحالفات.. وترامب يخسر حزبه
بقلم الدكتورة مايسة خليل حسن
المدير التنفيذي لمركز الرؤية للدراسات السياسية والاستراتيجية
تخيل للحظة مشهدين متزامنين على جانبي الأطلسي. ففي واشنطن، كان أربعة نواب جمهوريين فقط كفيلين بإحداث زلزال سياسي هز البيت الأبيض. وفي مدينة سانت بطرسبرج الروسية، كان الرئيس فلاديمير بوتين يصف علاقته بالرئيس السيسي بأنها “طيبة” ويشيد بجهوده في تسوية أزمات المنطقة. هذا هو الفرق بين قائد يبني جسوراً وآخر يحرقها، بين قائد يصنع السلام وآخر يغرق في مستنقع حروبه.
ففي الرابع من يونيو 2026، انهارت واحدة من أهم ثوابت ترامب: السيطرة المطلقة على حزبه داخل جدران الكونجرس. وافق مجلس النواب الأميركي، الذي يهيمن عليه الجمهوريون، على قرار بتقييد صلاحياته الحربية بنتيجة 215 صوتاً مقابل 208. لم يسقط ترامب بأصوات الديمقراطيين، بل بأصوات أربعة من رجاله. أربعة نواب جمهوريين اختاروا مصلحة بلدهم على الولاء الأعمى لرئيسهم. يطالبهم القرار بسحب القوات الأميركية من إيران، ما لم يوافق الكونجرس رسمياً على الاستمرار. إنها حرب دخلت شهرها الرابع، وأسعار البنزين تقفز، وأسعار الغذاء ترتفع، والمواطن الأميركي يتساءل في حيرة: لماذا نقتل ونموت في حرب لا نهاية لها ولا أفق يلوح في الأفق؟
والآن، حول عينيك بعيداً عن واشنطن إلى قاعة المؤتمرات في سانت بطرسبرج. ففي منتدى اقتصادي عالمي، وقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليكشف عن علاقة مختلفة تماماً. لم يتحدث بوتين عن حروب أو صواريخ، بل تحدث بصراحة عن “علاقة طيبة” تربطه بالرئيس السيسي. قال إن الرئيس المصري “منخرط بنشاط في جدول الأعمال المتعلق بتسوية الأزمة على الاتجاه الإيراني”، وأضاف أن السيسي “على اتصال دائم مع جميع المشاركين في هذه العملية”. ثم جاءت الجملة الأكثر دلالة: “نحن نتشاور، ونستمع، ويسمع أحدنا الآخر، ونأخذ في الاعتبار موقف كل منا”. إنه اعتراف صريح من قائد أكبر دولة في العالم بأن مصر لم تعد مجرد تابع، بل شريك يشارك في صنع القرار.
لم تكن تصريحات بوتين مجرد مجاملات دبلوماسية عابرة تقال في المناسبات. بل كانت رسالة واضحة إلى العالم أجمع بأن مصر، بقيادة السيسي، أصبحت شريكاً لا يمكن تجاوزه في معادلات الشرق الأوسط الجديدة. فالكرملين يدرك جيداً أن القاهرة هي الوسيط الوحيد القادر على التواصل مع كل الأطراف المتنازعة، من واشنطن إلى طهران إلى تل أبيب. والكرملين يثق في السيسي لأنه رجل لا يطلق كلاماً في الهواء، ولا يقدم وعوداً لا يستطيع تنفيذها. وهذا هو الفارق الجوهري الذي تسجله الأيام: ترامب يخسر ثقة حزبه داخل أسوار الكونغرس، بينما السيسي يربح ثقة العالم في قمم سانت بطرسبرج.
قاد ترامب أمريكا إلى حرب بلا خطة خروج واضحة، وكأنه يقود سفينة في عاصفة دون خرائط. دخلها ربما لأسباب انتخابية، أو تحت ضغوط إسرائيلية، لكنه أهمل حساب التكاليف الباهظة. واليوم يدفع الثمن غالياً: أرقام قياسية في أسعار البنزين، وأزمات في سلاسل الإمداد، وكونغرس يخرج عن طاعته، ونواب من حزبه يطعنونه في ظهره. في المقابل، اختار السيسي طريقاً مختلفاً تماماً. لم يجر مصر إلى حرب، بل جعلها ملاذاً للوساطات الآمنة. بنى تحالفات متينة مع روسيا وفرنسا ودول الخليج وأفريقيا. فتح قنوات مفتوحة مع كل الأطراف. جعل من القاهرة عاصمة للحلول لا ساحة للصراعات.
النتائج الميدانية تتحدث عن نفسها بوضوح لا يحتمل التأويل. فترامب يكافح لتأمين دعم حزبه حتى في اللحظات الحاسمة، بينما السيسي يتلقى إشادات متتالية من قادة العالم من موسكو إلى باريس. في واشنطن، صواريخ وطائرات مسيرة وموازنة مثقلة بالديون تئن تحت وطأة الحرب. في القاهرة، قمم سياسية وزيارات رئاسية وتحركات دبلوماسية ومكانة دولية متصاعدة يوماً بعد يوم. في أمريكا، شعب يتذمر من ارتفاع الأسعار ويخرج في استطلاعات الرأي معبراً عن غضبه. في مصر، قيادة تتحرك بهدوء وحكمة، تحول الأزمات إلى فرص، والفوضى إلى نظام، والتهديدات إلى مكاسب.
الدرس الأهم الذي يجب أن يتوقف عنده كل قارئ اليوم هو أن القيادة الحكيمة لا تقاس بعدد حاملات الطائرات أو حجم الميزانيات العسكرية، بل بعدد الحلفاء الذين يثقون بك ويأتون إليك طالبين النصيحة. ترامب كان يملك أقوى جيش في العالم، لكنه خسر ثقة حزبه في واشنطن وثقة العالم كله. أما السيسي فبنى دولة من الصعاب، لكنه ربح ثقة القادة الكبار في سانت بطرسبرج وباريس وأبوظبي. إن النظام الإقليمي الجديد الذي يولد اليوم في المخاض العسير من رحم الحرب الإيرانية يُكتب في القاهرة وليس في واشنطن. وفي قلبه يقف رجل يعرف متى يتحدث فيجذب الأنظار، ومتى يصمت فيجذب الاحترام، ومتى يتحرك فيغير التاريخ.



