مدحت الحلفاوي يكتب: بين الذاكرة وربيع العمر… أهلا بسن الستين
ثمة أعمار لا تقاس بعدد السنوات بل بما تركته من أثر في الروح وما حملته من تجارب صنعت الإنسان على مهل. ومع بلوغي عامي الستين لا أشعر أنني أقف عند محطة نهاية بقدر ما أشعر أنني أطل على فصل جديد أكثر صفاء وعمقا. فصل أنظر فيه إلى ما مضى بعين الرضا والامتنان وأستقبل ما هو آت بقلب أكثر طمأنينة ويقين. فلكل مرحلة من العمر جمالها ولكل سنة حكايتها الخاصة وما أجمل أن يصل الإنسان إلى هذه المحطة وهو يحمد الله على الرحلة بكل ما فيها. أقف متأملا رحلة طويلة مرت بكل ما فيها من فرح وتعب وانتصارات وانكسارات. رحلة صنعت مني إنسانا أكثر هدوءا وأكثر يقينا بأن أجمل ما في العمر ليس عدد السنوات بل ما نتركه من أثر طيب في قلوب الناس. ومع بلوغي سن الستين أحمد الله على كل لحظة عشتها وعلى كل درس تعلمته وعلى كل قلب صادق عرفته في هذه الحياة. وعندما أنظر إلى الخلف لا أتذكر السنوات بقدر ما أتذكر الوجوه. وجوه أحببتها وأحبتني وأصدقاء شاركوني الطريق وأحبابا رحل بعضهم وبقي أثرهم في القلب. فقد أدركت أن أجمل ما نملكه في هذه الحياة ليس ما جمعناه من أشياء بل ما زرعناه من محبة وما تركناه من ذكر طيب في نفوس الآخرين. ومضت السنين بكل ما فيها من أحداث. حملت أفراحا عابرة وأوجاعا صامتة ودروسا لا تنسى. عبرت بنا من براءة الطفولة إلى اندفاع الشباب ثم إلى وقار الرجولة. حتى وصلنا إلى محطة ليست نهاية الطريق بل بداية فصل أكثر هدوءا وعمقا. فأهلا بسن الستين… سن الحكمة التي لا تمنح إلا لمن عاش الحياة بكل تفاصيلها، وسن الطمأنينة بعد صخب الأعوام… فيه يصبح الإنسان أكثر قربا من نفسه وأكثر إدراكا لقيمة الأيام والوجوه الصادقة. الستون ليست رقما يخيف بل وسام عمر طويل حافل بالتجارب والذكريات والانتصارات الصغيرة التي صنعت إنسانا ناضجا يعرف معنى الحياة جيدا. فمرحبا بربيع العمر… ومرحبا بكل عام يضيف إلى الروح نورا وإلى القلب سلاما. وهكذا تمضي الأيام سريعة لكنها تترك داخلنا حكايات لا تنسى. فإن كان العمر قد أخذ من سنواتنا فإنه منحنا في المقابل الحكمة والخبرة ومعرفة حقيقة البشر. وها أنا أستقبل ربيع العمر بقلب راض ونفس مطمئنة راجيا من الله أن تكون السنوات القادمة أكثر قربا منه وأكثر سلاما ورضا. فإن كان في العمر ما مضى من تعب فقد كان فيه من النعم ما يستحق الشكر، وإن كانت بعض الأحلام قد تأخرت فإن الله عوضنا بأشخاص ومواقف ودروس كانت أثمن من كثير مما تمنيناه. لذلك أستقبل هذه المرحلة من العمر بقلب ممتن لكل ما كان ومتفائل بكل ما هو آت. ولعل من جميل الأقدار أن أستقبل عامي الستين في السادس من يونيو حاملا معي ستين عاما من الذكريات والتجارب والدروس التي صنعت ما أنا عليه اليوم. أحمد الله على ما مضى وأسأله أن يبارك لي فيما هو آت. اللهم كما أكرمتني ببلوغ هذا العمر فاجعل ما تبقى من عمري أجمل مما مضى، وارزقني الصحة والعافية وراحة البال ورضا النفس، واجعل أيامي القادمة عامرة بالخير والمحبة والسكينة، ولا تحرمني من نعمة الأهل والأصدقاء ومن يحبونني بصدق، واحفظ لي ديني ووطني وأحبابي واكتب لي حسن الخاتمة ورضاك الدائم يا أرحم الراحمين. مدحت الحلفاوي قلم وطني.. لا يعرف إلا الحق ولا ينحني إلا لله ولمصر.



