أقلام حره

مدحت الحلفاوي يكتب: بين الخاتم والسر…. حكاية عن فقدان الامان

​ليس كل ما يكتب هو مجرد حبر على ورق… بل احيانا يكون نزفا لروح حاصرها الوجع من كل اتجاه.
في هذه السطور احاول ان استرد نفسي من زحام السنين واضع يدي على الجرح الذي لم يندمل محاولا ان افك شفرة الصراع بين ما كنا نملكه وبين ما فقدناه ونحن في امس الحاجة اليه.
هي حكاية من مخزون الكلمات التي تبكي ارويها بلسان المجهول لعلها تمنحنا جميعا صبرا على ما لا نطيق.
​في حياة كل منا زمنان.. زمن كنا نملك فيه الخاتم وزمن صرنا نبحث فيه عن الامان المفقود وسط ركام الذاكرة.
كانت هناك فترة يظن فيها المرء ان الدنيا طوع بنانه وان الابواب تفتح بمجرد الاشارة والدروب تمهد بالجاه والحضور.
كان صاحب الحكاية يستند الى ركن شديد قوة تمنحه الشعور بالسيادة وتجعل من الرغد والرفاهية ستارا يحجبه عن قسوة الواقع.
كان يظن ان هذا الخاتم الذي يلمع في يده هو الحماية الابدية.
​لكن في ركن خفي من الروح… كان هناك صوت ياتي من بعيد صوت انسانة كانت ترفض هذا البريق الزائف… كانت تهمس له في كل ليلة بكلمات هي اليوم دستور وجعه: لا تتركهم يسرقونك من نفسك.. استيقظ غدا وانت انت بلا القاب وبلا قشور وبلا سطوة مستعارة.
كانت هي وحدها التي ترى الانسان خلف الخاتم وكانت هي التي تحاول ان تزرع فيه الامان الذي لا يهتز برحيل الجاه.
​ثم.. تبدلت الاحوال.
رحل الامان الحقيقي الذي لا يشترى بمال.. انكسر الظهر برحيل السند وفجع القلب برحيل الاهل واحدا تلو الاخر حتى لم يبق من العزوة الا صدى اصواتهم في الجدران.
ومع هذا الفقد بدا الخاتم يفقد سحره فالمرض لا يعترف بالمكانة وضغوط الحياة وهموم الغد لا تميز بين عزيز وذليل.
فجأة وجد صاحب الحكاية نفسه وحيدا امام عاصفة لم يحسب لها حسابا… الخاتم الذي كان يظنه منقذا لم يعد يمنحه الدفء في ليالي المرض او السكينة في مواجهة احتياجات العمر… اكتشف ان الامان كان في تلك الكلمات التي لم يسمعها جيدا وفي ذلك الوجود الذي رحل بصمت تاركا خلفه ديوانا من الذكريات التي لا تنتهي.
​واليوم يجلس صاحب الحكاية ليرتب مخزونا من الكلمات التي تبكي ويكتب عن زمن الرغد الذي ضاع وعن الركن الشديد الذي انهار… ولكن وسط هذا الزحام تظهر ارواح وفية كرسائل سماوية تعيد ترميم الامل فظهور “زينب” في المشهد لم يكن مجرد صدفة بل كان اشارة الى ان “وفاء” الماضي لا يزال يثمر في الحاضر.
ان تلك القامة الرفيعة التي احيت قيم الوفاء لم تفعل ذلك الا لتثبت ان الانسان بصدقه يبقى وان الخاتم ببريقه يفنى.
​لقد سقط الخاتم في بئر الايام وبقي فقدان الامان هو الحقيقة التي تنهش في الروح ولم يتبق له الا ورق يفرغ فيه وجعا لا ينتهي وسر لا يعرفه احد غيره. في نهاية المطاف ندرك ان القوة الحقيقية ليست فيما نملكه من نفوذ بل فيمن كان يسند ارواحنا حين نضعف.
فاللهم ارحم من كانوا لنا امانا واغفر لقلوب رحلت وهي تحمل لنا كل الخير.
اللهم اشف كل جسد انهكه المرض ويسر امرا ضاق بنا وارزقنا السكينة والرضا بما قسمت.
اللهم ارحم الارواح الغالية التي فارقتنا وارحم تلك النفس الطاهرة التي كانت بمليون رجل ولم تطلب منا سوى ان نكون انفسنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock