أقلام حره

لماذا ننجذب لمن يؤذينا نفسيًا

بقلم الدكتوره صفا ابوالعزم /استشارى الصحه النفسيه

في العيادة النفسية لا تأتي الحكايات غالبًا عن الحب، بل عن الإرهاق. عن علاقات بدأت بشغف وانتهت باستنزاف، ثم استمرت رغم الألم، وكأن شيئًا داخليًا يعيد الإنسان دائمًا إلى نفس الدائرة.

الإنسان لا ينجذب دائمًا لما يريحه، بل لما يعرفه. العقل العاطفي يميل إلى المألوف أكثر من الآمن. فإذا نشأ الشخص في بيئة اختلط فيها القرب بالخذلان، أو الحب بالقلق، يصبح هذا النمط هو تعريفه الداخلي للحب، حتى لو كان مؤلمًا.

في هذه العلاقات، يتحول التعلق إلى محاولة مستمرة لإثبات القيمة. كل تجاهل يوقظ شعورًا بالنقص، وكل اقتراب بسيط يُستقبل كنجاة مؤقتة. ومع الوقت يبدأ الإنسان في التنازل عن احتياجاته تدريجيًا دون أن يلاحظ، حتى يصبح الألم جزءًا من العلاقة لا استثناءً فيها.

غالبًا لا يظهر الشخص المؤذي نفسيًا بوضوح في البداية. يكون جذابًا أو غامضًا أو غير متاح بالكامل، وهذا الغموض يخلق قلقًا داخليًا، والقلق يزيد التعلق. فتتحول العلاقة إلى حالة من الترقب المستمر بدلًا من الطمأنينة.

ومع الاستمرار، يتكوّن وهم داخلي بأن الحب يمكن أن يُصلح كل شيء. فيعتقد الطرف المتألم أن صبره سيغير الآخر، وأن احتواءه سيحوّل القسوة إلى دفء. لكن ما يحدث غالبًا هو العكس، حيث يزداد الإرهاق النفسي ويضعف الإحساس بالذات.

الانفصال هنا لا يكون صعبًا بسبب الحب فقط، بل بسبب المعنى الذي تحمله العلاقة داخل النفس؛ فهي ليست شخصًا فقط، بل محاولة قديمة لتعويض نقص لم يُشفَ بعد.

الشفاء يبدأ حين يدرك الإنسان أن الحب الحقيقي لا يرهقه، وأن القرب لا يجب أن يكون مصدر قلق، وأن العلاقة الصحية تمنحه وضوحًا لا ارتباكًا، وطمأنينة لا استنزافًا.
رسالة أخيرة للقلب

أحيانًا لا يكون أصعب ما نمر به هو حب من لا يبادلنا نفس العمق، بل تعلّقنا بما يؤلمنا ونحن نظن أنه حب.
تعلّم أن تختار من يهدّئك لا من يشتتك، من يحتضنك لا من يجعلك تسعى دائمًا لإثبات نفسك.
فالحب الذي يستحقك… لا يكسرك كي يُبقيك، بل يُرممك لتكون أنت كما أنت، لا نسخة متعبة من نفسك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock