أقلام حره

“وجيه نزيه” ينشر : مُعجم الذكريات لمواليد الثمانينات .

رحلة بين أقدار الحياة و مُنعطفات الأيام .. من صبا العمل الحر إلى منصات التحليل و القرار .

 

لم تكن بدايتي مسبوقة بأيديولوجيات صاخبة أو شعارات ثورية ،و لكنها استمدت من العمل المستمر و الصبر الهادئ في كل مُنعطفات مسيرة تفاصيل حياتي المتواضعة .. ففي كنف الوالدين و منذ دراستي بالمرحلة الإعدادية لم أكن أعرف لتلك الكلمات الكبرى وزناً ،و لكن كنت أجيد لغة الكدح الشريف و الفضول المعرفي بشتي صوره .. حيث كنت مُشتغلاً بمكتب خدمات عامة و مجتمعية تتداخل فيه مُعاملات المواطنين و مصالحهم وسط زحام الأوراق و الكتابة و الطباعة .. فحينها تشكلت مداركي الأولى بإختلاط واسع بمديري المدارس و نخبة من المحامين و المحاسبين و شرائح واسعة من البسطاء و رواد المكتب حينها ،و لعل ما كان يثير دهشة أساتذة اللغات الأجنبية المُترددين على هذا المكتب هو قدرتي على مسايرتهم في أحاديثهم بلغاتهم المُختلفة على حسب مواد يقومون بتدريسها لدي طلابهم من الإنجليزية إلى الفرنسية وصولاً إلى الإيطالية مُتكئاً على تفوق دراسي قد لازمني و من خلال حصيلة دراستي منذ مراحل تعليمي المختلفة .. إذ أنني منذ مرحلتي الإبتدائية كان يتم تكريمي بمدرستي و مستوي إدارتها التعليمية و مشاركتي أنشطة عدة منها مجلة الصحافة المدرسية التي تعلق على أركان حوائطها و قراءة نشرات الإذاعة في طابور كل صباح.

و كان شغفي بالمرحلة الإعدادية و الثانوية حينها هو التردد الدائم على مسارح دار الأوبرا و فعاليات وسط البلد و مسرح روابط و معارض قصر الفنون و مكتبة قصر السينما وصولاً إلى الندوات الأولى بالمركز الثقافي ساقية الصاوي في عام تأسيسها الأول ٢٠٠٤م حيث امتد هذا الشغف ليصيغ سنوات الصبا و الشباب .. فبينما كانت شتاءات العمر تقضى بين أروقة ذلك المكتب كانت فصول الصيف تحج بي نحو المدن السياحية في شرم الشيخ و الغردقة فيما بعد حيث العمل صيفاً داخل البازارات و المطاعم و منها الإحتكاك المباشر و التواصل بثقافات سائحي دول العالم بهذة المدن .. ثم انتقلت من مجرد عامل بعمولة أو أجير براتب إلى إمتلاك ركن خاص للرسم على إحدي شواطئ الفنادق ثم فيما بعد قد استئجرت مكاناً مستقلاً يعمل حتى شفق الفجر و كذلك مَبيتاً خاصاً احتمي به من صَخب سكن العاملين .. حيث حينها امارس هوايتي برسم الوجوه و نقش الحناء بأسعار حرة تدر عائداً مع حصيلة فارق العملة الأجنبية ،و من ثم أدخر منها لأعود مع إنقضاء كل موسم صيفي غير أن رياح الأقدار جرت بما لا تشتهي السفن .. فباغتني رحيل والدي المفاجئ رحمة الله عليه .. فأضطررت لقطع عملي و العودة مُسرعاً بطيران داخلي حينها إلى القاهرة تاركاً مَرسمي و شريكتي الأوكرانية التي كانت تشتهر بفن ضفائر الرأس و تتقاسم معي أرباح المكان بنسبة محددة لها .

و على هذة النكبة الأولي بوفاة والدي الحبيب تتالت على بعد ذلك سنوات من الأحداث العصيبة و التقلبات المريرة .. إذ شهدت تراجع الوفود السياحية بفعل سقوط الطائرة السويسرية ثم قيام احداث يناير مروراً بفترة حكم الإخوان و ما تبعها من عدم إستقرار وصولاً إلى كارثة سقوط الطائرة الروسية وما تلاها من ركود طويل إلى أن جاءت جائحة كورونا المعروفة بالكوفيد لتغلق مطارات العالم أجمع في عام ٢٠٢٩م ،و مع تعطل سُبل خطط سفري خارج البلاد بعد تحضيرات مصيرية و تجهيزات مُستوفاة مُتجهاً إلى ألمانيا إلى ابن عمي الذي يقيم بها فوق الثلاثون عاماً .

و على هذة النكبة الكبري التي احلت للبلاد و العالم أجمع حينها قد تدبرت شأن أوضاعي و أنفتح أمامي باب التجارة الواسع عبر منصات الإنترنت فبدأت ببيع السيجار الكوبي الأصلي مُستعيناً بشبكة من و العلاقات و الأصدقاء الأوفياء المُغتربين و الجالبين لي بعدة أنواع لهذا المنتج الفاخر و من خلال السوق المحلي لدي موظفي الأسواق الحرة و عبر الربط مع شركات الشحن و التوصيل .. إلي أنني قد امتنعت عن تجارته لإستشعاري حرمانيته و أضرارها للغير بالرغم مما حققته من ربح وفير و مردود مادي سريع للغاية ،و لقد اتخذتُ قراراً حاسماً بتركها إبتغاءً لمرضاة الله و تفضيلاً لسلامة الضمير و الإختيار لنقاء إنسانيتي على حساب تلك المكاسب المادية .

و على هذا الشقاء و السعي المُستمر و مع العدول بعدد من المسارات المختلفة كنت حينها أعيش حينها بكنف والدتي أرافقها و أرعاها، غارقاً بتفكير التدبير المُعتاد لسُبل العيش و إختلاف المخارج للأزمات و بعيداً عن صخب الثورات و منصات التوجيه السياسي و التي حينها لا أبالي لها ،و في حين قد ألتفتُّ بعد ذلك إلى وصية أمي و رغبتها الراسخة في إستكمال مساري التعليمي و الحصول على شهادة جامعية اصطدمت بواقع قِدم شهادتي بالثانوية العامة و تاريخ إصدارها القديم .. فألزمت نفسي بإعادة دراستها من جديد صابراً مُحتسباً حتى ظفرت بما أردت ،و من ثم خُيرت بين دراسة الإعلام لتحقيق حلم والدي رحمه الله عليه و الذي كان يعمل مُهندساً لصيانة أجهزة التلفزيونات على أن يقترن اسمي بالشاشات كمُعداً أو مُخرجاً لبرامج قنوات التليفزيون ذاتها .. في حين أصرت أمي على دراسة العلوم السياسية فسألتها مُتبسماً إن كنت أنوي صدارة العمل بالسفارات و التمثيل الدبلوماسي فعمري قد فاق شروط إلتحاقي بهذا المجال .. فدلتني على آفاق أكثر إتساعاً لسوق العمل و الواقع الإنمائي المتعدد لهذة الدراسات .

و اليوم بفضل الله قد دارت الكواكب واختلفت المسارات لأجدني أحلل الأخبار و أسرد السياسات و أشارك بالفعاليات و المؤتمرات و بمداخلات إذاعية و تلفزيونية و أحاضر في بعض إختصاصات التنمية و أساهم مجالات الخدمة المُجتمعية و التغطيات الدبلوماسية .. فشتان بين صبي الأمس الذي كان يوماً يحلم بأن يكون مُهاجراً بحثاً عن رزقه و الرجل الذي بات يصوغ رؤى الأحداث و يشارك في صناعات مناقشة الأطروحات و بعض القرارات

و ختاماً و بعد أن أغمضت أمي عينها للأبد أدركت أنني حققت لها ما كانت ترضاه و تتمناه مرضياً وجه الله عز وجل في برها و رعايتها حتى آخر أنفاسها ،و على هذا السرد المُتتالي ليس هذا بحال من الأحوال تملقاً لنفسي أو إستعراضاً لبطولات زائفة ،و لكنه توثيق أمين لرحلة قد عِشتُ تفاصيلها صعوداً ببعض من النجاحات و هبوطاً بقلائل التعثرات ،و هو في خاتمتهُ بمثابة إقرار جازم بأن ما تقدم ليس تنصلاً من واجب وطني مُقدس ولا إنسلاخاً عن الإنتماء الذي تشربناه حباً و عشقاً لتراب هذا الوطن ،و لم أكن يوماً مُعارضاً يحركه العداء لبلاده ولا مارقاً تستهويه الفوضى و الإملاءات المُغرضة للخراب يوماً ،و لكنني احتسب نفسي ابناً باراً لهذا الوطن أيضاً .

رحلة بين أقدار الحياة و مُنعطفات الأيام .. من صبا العمل الحر إلى منصات التحليل و القرار .

لم تكن بدايتي مسبوقة بأيديولوجيات صاخبة أو شعارات ثورية ،و لكنها استمدت من العمل المستمر و الصبر الهادئ في كل مُنعطفات مسيرة تفاصيل حياتي المتواضعة .. ففي كنف الوالدين و منذ دراستي بالمرحلة الإعدادية لم أكن أعرف لتلك الكلمات الكبرى وزناً ،و لكن كنت أجيد لغة الكدح الشريف و الفضول المعرفي بشتي صوره .. حيث كنت مُشتغلاً بمكتب خدمات عامة و مجتمعية تتداخل فيه مُعاملات المواطنين و مصالحهم وسط زحام الأوراق و الكتابة و الطباعة .. فحينها تشكلت مداركي الأولى بإختلاط واسع بمديري المدارس و نخبة من المحامين و المحاسبين و شرائح واسعة من البسطاء و رواد المكتب حينها ،و لعل ما كان يثير دهشة أساتذة اللغات الأجنبية المُترددين على هذا المكتب هو قدرتي على مسايرتهم في أحاديثهم بلغاتهم المُختلفة على حسب مواد يقومون بتدريسها لدي طلابهم من الإنجليزية إلى الفرنسية وصولاً إلى الإيطالية مُتكئاً على تفوق دراسي قد لازمني و من خلال حصيلة دراستي منذ مراحل تعليمي المختلفة .. إذ أنني منذ مرحلتي الإبتدائية كان يتم تكريمي بمدرستي و مستوي إدارتها التعليمية و مشاركتي أنشطة عدة منها مجلة الصحافة المدرسية التي تعلق على أركان حوائطها و قراءة نشرات الإذاعة في طابور كل صباح.

و كان شغفي بالمرحلة الإعدادية و الثانوية حينها هو التردد الدائم على مسارح دار الأوبرا و فعاليات وسط البلد و مسرح روابط و معارض قصر الفنون و مكتبة قصر السينما وصولاً إلى الندوات الأولى بالمركز الثقافي ساقية الصاوي في عام تأسيسها الأول ٢٠٠٤م حيث امتد هذا الشغف ليصيغ سنوات الصبا و الشباب .. فبينما كانت شتاءات العمر تقضى بين أروقة ذلك المكتب كانت فصول الصيف تحج بي نحو المدن السياحية في شرم الشيخ و الغردقة فيما بعد حيث العمل صيفاً داخل البازارات و المطاعم و منها الإحتكاك المباشر و التواصل بثقافات سائحي دول العالم بهذة المدن .. ثم انتقلت من مجرد عامل بعمولة أو أجير براتب إلى إمتلاك ركن خاص للرسم على إحدي شواطئ الفنادق ثم فيما بعد قد استئجرت مكاناً مستقلاً يعمل حتى شفق الفجر و كذلك مَبيتاً خاصاً احتمي به من صَخب سكن العاملين .. حيث حينها امارس هوايتي برسم الوجوه و نقش الحناء بأسعار حرة تدر عائداً مع حصيلة فارق العملة الأجنبية ،و من ثم أدخر منها لأعود مع إنقضاء كل موسم صيفي غير أن رياح الأقدار جرت بما لا تشتهي السفن .. فباغتني رحيل والدي المفاجئ رحمة الله عليه .. فأضطررت لقطع عملي و العودة مُسرعاً بطيران داخلي حينها إلى القاهرة تاركاً مَرسمي و شريكتي الأوكرانية التي كانت تشتهر بفن ضفائر الرأس و تتقاسم معي أرباح المكان بنسبة محددة لها .

و على هذة النكبة الأولي بوفاة والدي الحبيب تتالت على بعد ذلك سنوات من الأحداث العصيبة و التقلبات المريرة .. إذ شهدت تراجع الوفود السياحية بفعل سقوط الطائرة السويسرية ثم قيام احداث يناير مروراً بفترة حكم الإخوان و ما تبعها من عدم إستقرار وصولاً إلى كارثة سقوط الطائرة الروسية وما تلاها من ركود طويل إلى أن جاءت جائحة كورونا المعروفة بالكوفيد لتغلق مطارات العالم أجمع في عام ٢٠٢٩م ،و مع تعطل سُبل خطط سفري خارج البلاد بعد تحضيرات مصيرية و تجهيزات مُستوفاة مُتجهاً إلى ألمانيا إلى ابن عمي الذي يقيم بها فوق الثلاثون عاماً .

و على هذة النكبة الكبري التي احلت للبلاد و العالم أجمع حينها قد تدبرت شأن أوضاعي و أنفتح أمامي باب التجارة الواسع عبر منصات الإنترنت فبدأت ببيع السيجار الكوبي الأصلي مُستعيناً بشبكة من و العلاقات و الأصدقاء الأوفياء المُغتربين و الجالبين لي بعدة أنواع لهذا المنتج الفاخر و من خلال السوق المحلي لدي موظفي الأسواق الحرة و عبر الربط مع شركات الشحن و التوصيل .. إلي أنني قد امتنعت عن تجارته لإستشعاري حرمانيته و أضرارها للغير بالرغم مما حققته من ربح وفير و مردود مادي سريع للغاية ،و لقد اتخذتُ قراراً حاسماً بتركها إبتغاءً لمرضاة الله و تفضيلاً لسلامة الضمير و الإختيار لنقاء إنسانيتي على حساب تلك المكاسب المادية .

و على هذا الشقاء و السعي المُستمر و مع العدول بعدد من المسارات المختلفة كنت حينها أعيش حينها بكنف والدتي أرافقها و أرعاها، غارقاً بتفكير التدبير المُعتاد لسُبل العيش و إختلاف المخارج للأزمات و بعيداً عن صخب الثورات و منصات التوجيه السياسي و التي حينها لا أبالي لها ،و في حين قد ألتفتُّ بعد ذلك إلى وصية أمي و رغبتها الراسخة في إستكمال مساري التعليمي و الحصول على شهادة جامعية اصطدمت بواقع قِدم شهادتي بالثانوية العامة و تاريخ إصدارها القديم .. فألزمت نفسي بإعادة دراستها من جديد صابراً مُحتسباً حتى ظفرت بما أردت ،و من ثم خُيرت بين دراسة الإعلام لتحقيق حلم والدي رحمه الله عليه و الذي كان يعمل مُهندساً لصيانة أجهزة التلفزيونات على أن يقترن اسمي بالشاشات كمُعداً أو مُخرجاً لبرامج قنوات التليفزيون ذاتها .. في حين أصرت أمي على دراسة العلوم السياسية فسألتها مُتبسماً إن كنت أنوي صدارة العمل بالسفارات و التمثيل الدبلوماسي فعمري قد فاق شروط إلتحاقي بهذا المجال .. فدلتني على آفاق أكثر إتساعاً لسوق العمل و الواقع الإنمائي المتعدد لهذة الدراسات .

و اليوم بفضل الله قد دارت الكواكب واختلفت المسارات لأجدني أحلل الأخبار و أسرد السياسات و أشارك بالفعاليات و المؤتمرات و بمداخلات إذاعية و تلفزيونية و أحاضر في بعض إختصاصات التنمية و أساهم مجالات الخدمة المُجتمعية و التغطيات الدبلوماسية .. فشتان بين صبي الأمس الذي كان يوماً يحلم بأن يكون مُهاجراً بحثاً عن رزقه و الرجل الذي بات يصوغ رؤى الأحداث و يشارك في صناعات مناقشة الأطروحات و بعض القرارات

و ختاماً و بعد أن أغمضت أمي عينها للأبد أدركت أنني حققت لها ما كانت ترضاه و تتمناه مرضياً وجه الله عز وجل في برها و رعايتها حتى آخر أنفاسها ،و على هذا السرد المُتتالي ليس هذا بحال من الأحوال تملقاً لنفسي أو إستعراضاً لبطولات زائفة ،و لكنه توثيق أمين لرحلة قد عِشتُ تفاصيلها صعوداً ببعض من النجاحات و هبوطاً بقلائل التعثرات ،و هو في خاتمتهُ بمثابة إقرار جازم بأن ما تقدم ليس تنصلاً من واجب وطني مُقدس ولا إنسلاخاً عن الإنتماء الذي تشربناه حباً و عشقاً لتراب هذا الوطن ،و لم أكن يوماً مُعارضاً يحركه العداء لبلاده ولا مارقاً تستهويه الفوضى و الإملاءات المُغرضة للخراب يوماً ،و لكنني احتسب نفسي ابناً باراً لهذا الوطن أيضاً .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock