
فرنسا في إفريقيا بين الانسحاب وإعادة التموضع.. هل تفقد باريس نفوذها أم تعيد صياغته؟
إعداد الباحث: السيد فتوح السيد
كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – جامعة الإسكندرية
جمهورية مصر العربية
لم تعد إفريقيا اليوم الساحة التي اعتادت فرنسا أن تتحرك فيها بالقدر نفسه من النفوذ والقدرة على التأثير. فخلال السنوات الأخيرة، شهدت القارة تحولات سياسية وأمنية متسارعة أعادت ترتيب علاقات دولها بالقوى الدولية، وكان لمنطقة الساحل النصيب الأكبر من هذه التحولات. ومع تصاعد الخطاب المطالب بالسيادة الوطنية، وتزايد الرفض الشعبي والسياسي للتدخلات الخارجية، بدأت مكانة فرنسا تتراجع تدريجيًا في عدد من الدول التي كانت تمثل لسنوات طويلة جزءًا أساسيًا من دائرة نفوذها.
ولا يقتصر هذا التراجع على انخفاض الوجود العسكري الفرنسي، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة نفسها بين باريس وعدد من الحكومات الإفريقية. فقد أدت الانقلابات العسكرية التي شهدتها مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى صعود حكومات أكثر تشددًا في رفض الوجود الفرنسي، وهو ما انعكس في إنهاء أو تقليص التعاون العسكري مع باريس. وبذلك، أصبحت فرنسا أمام واقع إفريقي مختلف، لم تعد فيه الروابط التاريخية أو النفوذ السياسي التقليدي كافية لضمان استمرار حضورها، في الوقت الذي دخلت فيه قوى دولية وإقليمية أخرى إلى المشهد، مستفيدة من رغبة بعض الدول الإفريقية في تنويع شراكاتها بعيدًا عن فرنسا.
وتُعد الانسحابات الفرنسية من منطقة الساحل من أبرز مظاهر هذا التحول. فقد كانت فرنسا تعتمد على وجود عسكري واسع في المنطقة باعتباره إحدى الأدوات الرئيسية لمواجهة الجماعات المسلحة ودعم حكومات دول الساحل. إلا أن هذا الدور بدأ يفقد جزءًا كبيرًا من قبوله السياسي والشعبي، بالتزامن مع تصاعد الانتقادات الموجهة إلى المقاربة الفرنسية في التعامل مع الأزمات الأمنية. وفي عام 2023، أدى الانقلاب العسكري في النيجر إلى أزمة حادة بين باريس والسلطات الجديدة، انتهت بانسحاب القوات الفرنسية من البلاد، في تطور عكس حجم التغير الذي طرأ على علاقة فرنسا بدول المنطقة.
ولم تكن النيجر حالة منفردة، إذ سبقتها مالي في إعادة صياغة علاقتها بفرنسا، كما شهدت بوركينا فاسو تحولًا مشابهًا بعد الانقلاب العسكري عام 2022. وأدى تتابع هذه التطورات إلى تقليص المساحة التي كانت تتحرك فيها فرنسا عسكريًا وسياسيًا في الساحل، كما دفع باريس إلى إعادة النظر في جدوى استمرار النموذج التقليدي الذي يقوم على الوجود العسكري المباشر. وفي الوقت نفسه، أظهرت هذه التحولات أن قضايا الأمن والسيادة أصبحت أكثر ارتباطًا في الخطاب السياسي المحلي برفض التدخل الخارجي، وهو ما جعل مهمة فرنسا أكثر صعوبة.
وفي بوركينا فاسو تحديدًا، تزامن تراجع العلاقات مع فرنسا مع استمرار تدهور الوضع الأمني والإنساني. فقد أدى تصاعد نشاط الجماعات المسلحة إلى موجات واسعة من النزوح، وهو ما جعل الأزمة تتجاوز حدود العلاقة مع فرنسا لتصبح اختبارًا لقدرة الحكومات المحلية وشركائها الدوليين على تقديم حلول أمنية وتنموية مستدامة. ومن هنا، ظهرت حدود الاعتماد على الأدوات العسكرية وحدها في معالجة أزمات الساحل، وأصبح من الضروري النظر إلى عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية أوسع.
ورغم هذا التراجع، فإن فرنسا لم تترك إفريقيا بالكامل، بل بدأت باريس في إعادة توجيه جزء من اهتمامها نحو مناطق أخرى من القارة، وخاصة شرق إفريقيا والدول الناطقة بالإنجليزية. وتبرز كينيا في هذا التحول بشكل واضح، حيث سعت باريس إلى تعزيز التعاون معها في مجالات الأمن والتجارة والاستثمار والطاقة، إلى جانب توسيع نطاق العلاقات مع دول أخرى مثل إثيوبيا. ويعكس هذا الاتجاه محاولة فرنسية لتوسيع دائرة الشراكات الإفريقية خارج المجال الفرنكفوني التقليدي، في وقت أصبحت فيه الدول الإفريقية أكثر تنوعًا في علاقاتها الدولية.
ويبرز عام 2026 هذا التحول بصورة أكثر وضوحًا، مع استضافة العاصمة الكينية نيروبي قمة «Africa Forward» يومي 11 و12 مايو، بالتعاون بين فرنسا وكينيا. وشهدت القمة مشاركة أكثر من 7 آلاف شخص من قادة وحكومات وقطاع خاص ومجتمع مدني وشباب وممثلين عن مجالات مختلفة. وركزت القمة على تطوير الشراكات بين فرنسا والدول الإفريقية، وزيادة الاستثمارات الخاصة في القارة، وتعزيز التعاون الاقتصادي والمالي. وخلال القمة، أُعلن عن تعبئة استثمارات بقيمة 23 مليار يورو في إفريقيا، منها 14 مليار يورو استثمارات فرنسية و9 مليارات يورو استثمارات إفريقية، مع توقع خلق أكثر من 250 ألف وظيفة مباشرة. ويعكس ذلك توجهًا فرنسيًا متزايدًا نحو استخدام الأدوات الاقتصادية والاستثمارية في تعزيز العلاقات مع القارة.
وفي سياق هذا التحول الاستراتيجي، بدأت فرنسا في تطوير أدوات نفوذ جديدة تختلف عن مقارباتها التقليدية. إذ لم تعد الآلة العسكرية وحدها هي الوسيلة الأساسية للحفاظ على الحضور الفرنسي، بل تحاول باريس توسيع نفوذها من خلال الاقتصاد والاستثمار والثقافة والمجتمع المدني، مستفيدة من شبكة شركاتها الكبرى، ومن خلال تشجيع الشراكات مع الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات الإفريقية. كما تؤكد الرؤية الفرنسية المعلنة في قمة «Africa Forward» أهمية بناء شراكات أكثر توازنًا، وزيادة الاستثمار الخاص، وتعزيز الروابط بين الشباب والمجتمعات الإفريقية والفرنسية.
إلا أن هذه المحاولات الفرنسية لا تخلو من تعقيدات، إذ تواجه باريس منافسة متصاعدة من قوى دولية أخرى، أبرزها روسيا التي عززت حضورها الأمني في عدد من دول الساحل، والصين التي وسعت نفوذها الاقتصادي من خلال مشروعات البنية التحتية والاستثمار، إلى جانب تركيا ودول أخرى طورت حضورها التجاري والاستثماري في القارة. ويعكس هذا التعدد في مراكز النفوذ واقعًا جديدًا مفاده أن الساحة الإفريقية لم تعد حكرًا على فرنسا، بل أصبحت مفتوحة أمام قوى دولية وإقليمية متعددة تسعى إلى تعزيز مصالحها وإعادة رسم موازين القوة في القارة.
وهنا يبرز سؤال أكثر أهمية: هل تمثل الاستراتيجية الفرنسية الجديدة تغييرًا حقيقيًا في طبيعة العلاقة مع إفريقيا، أم أنها مجرد إعادة صياغة للنفوذ القديم بأدوات مختلفة؟ فبعد تراجع الوجود الفرنسي في عدد من دول الساحل، أصبح من الضروري بالنسبة لباريس بناء علاقات جديدة مع دول إفريقية خارج المجال الفرنكفوني، وتقديم نفسها كشريك اقتصادي وتنموي قادر على الاستجابة للأولويات الإفريقية الجديدة.
ولا يمكن تجاهل أن الدول الإفريقية نفسها أصبحت تمتلك مساحة أكبر لتنويع شراكاتها الدولية. فلم تعد مضطرة إلى الاعتماد على قوة دولية واحدة في مجالات الأمن أو الاقتصاد أو التنمية، بل بات بإمكانها المقارنة بين عروض متعددة واختيار الشراكات التي تتوافق مع مصالحها الوطنية. وهذا التحول يفرض على فرنسا تغيير طريقة تعاملها مع القارة، إذا كانت تريد الحفاظ على موقع مؤثر فيها.
في النهاية، ربما يكون من الخطأ وصف ما يحدث بأنه «انسحاب فرنسي من إفريقيا» بصورة كاملة، فالأدق هو الحديث عن إعادة تعريف للحضور الفرنسي. فقد خسرت باريس جزءًا مهمًا من نفوذها التقليدي في منطقة الساحل، لكنها في المقابل تحاول بناء مسارات جديدة في شرق إفريقيا ومناطق أخرى من القارة، مع الاعتماد بدرجة أكبر على الاستثمار والتجارة والتكنولوجيا والثقافة.
لكن إعادة التموضع لا تعني بالضرورة استعادة النفوذ. فنجاح الاستراتيجية الفرنسية الجديدة سيعتمد على قدرتها على الانتقال من علاقة تقوم على النفوذ التاريخي إلى علاقة تقوم على المصالح المتبادلة، واحترام استقلالية القرار الإفريقي، وتقديم شراكات اقتصادية وتنموية قادرة على المنافسة.
ومن هنا، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت فرنسا ستنسحب من إفريقيا أم لا، وإنما أي نوع من النفوذ ستسعى باريس إلى بنائه خلال السنوات المقبلة، وما إذا كانت الدول الإفريقية ستنظر إلى هذا النفوذ باعتباره شراكة جديدة قائمة على المصالح المتبادلة، أم باعتباره محاولة لإعادة إنتاج النفوذ الفرنسي بأدوات مختلفة..



