
” وجيه نزيه” يكتب : منظومة الإبتكار التنموي و رهان مـصــــر نحو آفاق الجمهورية الجديدة في إستثمار العقول .
تُشكل الثروة البشرية و القدرات الفكرية الرافد الأبقى و الأكثر ديمومة و إستدامة في معادلات النهضة الحديثة للدولة المصرية .. فبينما تتهاوى الموارد التقليدية أمام عاصفة التغيرات المُتسارعة .. حيث يظل العقل البشري المورد الوحيد القابل للتجدد و اللانهاية نحو الإبتكار .
و من هذا المنطلق لم يعد الإستثمار في العقول مجرد خطط رفاهية فكرية أو شعارات ترفيهية أو واهية ،و لكنها تعد تحول إلى ضرورة و جودية و إستراتيجية أمن قومي تنموي لا غنى عنها .
و في قلب هذه الصياغة تدرك الدولة المصرية أن إمتلاك ناصية المستقبل يبدأ حتماً من تمكين الكفاءات الوطنية و توجيه الطاقات الشبابية نحو الإبتكار الخلاق الذي يلامس إحتياجات المجتمع الأن ،و حيث يصنع حلولاً واقعية للتحديات الإقتصادية و التطلعات الإجتماعية .
و على هذا النهج قد تجسد هذا التوجه بوضوح عبر تضافر جهود المؤسسات الحكومية ،و في مُقدمتها الربط و التعاون و التواصل المؤسسي بين وزارة الشباب و الرياضة و وزارة التعليم العالي و البحث العلمي .. حيث انخرطت الوزارتان في صياغة منظومة عمل متكاملة ترتكز على إكتشاف المواهب و رعاية النابغين و تحويل الأفكار النظرية إلى مشروعات ريادية و تطبيقات ميدانية عملية .
و علي هذا فلم تعد مراكز الشباب مجرد مساحات لممارسة الأنشطة التقليدية ،و لكنها تحولت إلى حاضنات مُجتمعية و مساحات إبداعية لإكتشاف طاقات النشء و الشباب و توجيهها نحو ريادة الأعمال و التحول الرقمي .
و بالتوازي مع ذلك قادت وزارة التعليم العالي ثورة تطوير هيكلي في الجامعات و المراكز البحثية .. فأنشأت حاضنات الأعمال التكنولوجية ،و قد أطلقت البرامج البينية التي تربط البحث العلمي بإذحتياجات سوق العمل و صناعة القرار ،ولاسيما عبر المبادرات التي تستهدف بناء الشخصية المصرية المُبتكرة القادرة على المنافسة إقليمياً و دولياً .
و على سبيل التأكيد فإن التنمية المستدامة في عالم اليوم لا تقام بمعزل عن الشراكات الدولية و التشبيك العالمي .. فلقد خطت الدولة المصرية خطوات واسعة نحو دمج منظومتها الوطنية للإبتكار في الشبكات العالمية و البحثية المُتقدمة ،و تأتي في مقدمة ذلك الشراكات الإستراتيجية و بروتوكولات التعاون مع الإتحاد الأوروبي ،ولاسيما برنامج أوروبا التنموي أو ما يعرف ببرنامج الإطار الأوروبي للبحث العلمي و الإبتكار ( Horizon Europe ) ،و حيث يمثل هذا الإنخراط المصري في البرامج الأوروبية الكبرى جسراً عبور حقيقياً للباحثين و المُبتكرين الشباب نحو التمويل الدولي و نقل التكنولوجيا المتقدمة و تبادل الخبرات مع كبرى المؤسسات الأكاديمية و الصناعية المهنية في القارة الأوروبية .
و لاننسي بالإعتبار أن هذه الشراكات لا تقتصر على كونها منحاً بحثية ،و لكنها أدوات دمج فعلي للإقتصاد و المعرفة لدي مصر في سلاسل القيمة العالمية للإبتكار .. مما يتيح للعقول المصرية فرصة معالجة القضايا المشتركة مثل الطاقة المتجددة و الأمن الغذائي و التغير المناخي ،و التحول الرقمي المطلوب و المُلح بمعايير دولية و بأيدي وطنية خالصة .
و ختاماً فإن الرهان على إستثمار العقول في مصر اليوم هو رهان رابح بكل المقاييس إذ تتقاطع الإرادة السياسية و التشاركات المؤسسية مع الإنفتاح الواعي على الشراكات الدولية الكبرى لترسم ملامح مستقبل تنموي مُستدام ،و حين تتكامل أدوار قطاعات الشباب و التعليم العالي مع البرامج الدولية مثل البرامج التنموية الأوروبية فإننا لا نبني فقط مُجتمعاً قادراً على مواجهة التحديات ،و لكننا نصنع وطناً يبتكر مستقبله بيديه و يجعل من طاقات أبناءه القاطرة الحقيقية للعبور نحو آفاق من التقدم و الإزدهار .



