أقلام حره

اليمن تقرر: فهل أدرك الإقليم؟ حين تُضرب الموانىء .. تسقط قواعد الاشتباك القديمة

بقلم محمد خالد الحسينى اليمن

ألسنة اللهب تتصاعد، ويتسع نطاق الدمار، وتطول قائمة الضحايا.. والتصعيد لم يعد محصوراً بجبهة أو محافظة، بل يتمدد كالنار في الهشيم.

موانئ تُستهدف، وطرق ملاحة تُهدد، وبحار تُحاصر.. كل المؤشرات تقول شيئاً واحداً: هناك معركة أوسع تتجهز في الظل.

في تعز والضالع ومأرب تدوي المدافع، وفي سماء حضرموت وشبوة تحلق المسيرات.. وتعلن الحكومة اليمنية عن قصف مكثف بالطيران المسيّر والمدفعية الثقيلة استهدف مواقع وتحصينات وتعزيزات للحوثيين في أكثر من محور.

اليوم تغيّر المشهد، انتقلت المواجهة من منطق الكر والفر إلى منطق كسر العظام.. وما حدث مؤخراً يقلب الطاولة، زوارق تغرق في البحر الأحمر، واشتباكات تحتدم على الأرض.. ارتفعت كلفة اللعب في البحر، وتقلص هامش المغامرة.. النيران تنتقل من جبهة إلى أخرى بإيقاع يوحي بأن ما يجري ليس رد فعل آنياً، بل ترتيب لمرحلة جديدة.

من العبر في حضرموت إلى البحر الأحمر، ومن تعز إلى شبوة، ومن الضالع إلى مأرب.. نحن أمام إعادة رسم كاملة لخارطة الحرب: جبهات تُفتح، وسماء تُستباح، وبحر يتحول إلى ساحة مواجهة مباشرة.

كان التصعيد الأخير للحوثيين نقطة تحول لافتة، استهداف ميناء المخا بالصواريخ والمسيرات بطريقة غير مسبوقة لم يكن عملاً عسكرياً عابراً.. فضربة واحدة في ميناء توازي في أثرها معارك على الهضاب والجبال.

إنها محاولة لنقل المعركة إلى النقطة الأكثر حساسية، حيث يمكن إيلام الخصم اقتصادياً وردعه سياسياً، ولفت انتباه العالم الذي لا يتحرك عادة إلا حين تُمس مصالحه المباشرة.

هذا الاستهداف هو ما دفع مجلس القيادة الرئاسي إلى تبني لغة الوعد والوعيد .. توعد الحوثيين برد رادع وقاسٍ، ثم أضاف أنه سيتخذ الإجراءات المشروعة للرد على الهجمات الأخيرة.

وهنا يبرز السؤال المنطقي: أي إجراءات مشروعة يقصد المجلس؟ وهل هناك مشروعية أكبر من مشروعية الدفاع عن ميناء يضرب، وعن مدنيين يُستهدفون بصواريخ ومسيرات؟ لكن ذلك يفتح الباب أمام احتمالين.

الأول: رد سريع ومفاجئ يعيد ترتيب قواعد الاشتباك، والثاني: إدارة معركة استنزافية بدهاء، تكسب تعاطفاً إقليمياً ودولياً وتعرّي الطرف الآخر، قبل توجيه الضربة الحاسمة.

في الحالتين، الرسالة واضحة، لم يعد الأمر ضمن إطاره الطبيعي أو تحت السيطرة التقليدية.

استهداف ميناء يعني أن الخصم يريد نقل الحرب من الجبال إلى الاقتصاد، ومن الميدان إلى عناوين الأخبار الدولية.

هنا يبرز السؤال الأكبر: ما موقف دول الإقليم والمجتمع الدولي؟ فقد باتت الأمور أوضح من أي وقت مضى.

هل حسمت الشرعية الدولية خيارها بشأن اليمن؟ وهل بدأت تضع أمن واستقرار وسيادة الدولة قبل أي اعتبارات أخرى؟ المؤشرات تقول إن هناك دولة تتبلور، وإن هناك موقفاً أكثر وضوحاً، وإرادة تسير بخطى واثقة هدفها استعادة المؤسسات.

لكن السؤال ما زال معلقاً: هل هذا التحول حقيقي أم لا يزال ملتبساً؟

لأن ما فرضته الوقائع بسيط ومباشر: لا سلام ولا استقرار ولا أمن في المنطقة ما دام هناك من يواصل اللعب بالنار.

أمن الإقليم كله اليوم مرتبط باليمن، استقرار اليمن يعني استقرار الإقليم، واستمرار الفوضى والتصعيد في اليمن يعني استمرارهما في المنطقة.

لم تعد هذه فرضية، بل معادلة بديهية تأخرنا كثيراً في استيعابها.. اليمن اليوم هي من تقرر فهل أدرك الإقليم ذلك؟ إذا لم تُحل إشكالات اليمن كدولة ذات سيادة وحضور، فالفاتورة ستكون باهظة على الجميع.

وإذا استمر الوضع كما هو، فلن يتغير شيء جوهري في الشرق الأوسط.. فالتخبط الذي ساد خلال الفترة الماضية كان سببه الأساسي غياب الرؤية الموحدة والقرار الواحد.

اليوم الصورة مختلفة، هناك إرادة تتشكل تقول بوضوح: نريد الوطن.. نريد اليمن كل اليمن، بكل ترابه وجغرافيته وحدوده، دون مساومة ولا تفاوض على الحقوق.

ويبقى السؤال الأخير: هل يستوعب الإقليم هذه الإرادة؟ أم سيستمر في سياسة إدارة التوازنات والتباينات وخلق الفوضى؟

إذا لم تُحترم إرادة الشعب، فالشعب قادر على أن يصوغ طريقه ويحدد مساره ويفرض الواقع الذي يريده.

فما معنى أن تُضرب الموانئ والبحار ويُستهدف المدنيون ويتأخر الرد؟ هل ننتظر إذناً من الخارج؟ هل القرار يمني أم ما زال بيد الآخر؟ إذا لم يكن القرار يمنياً، فلا أمل في عودة وطن يحتضن أبناءه ويثقون به.

وما يأتي من الخارج يبقى محل ترحيب ما دام يصب في مصلحة الوطن العليا.. والمطلوب هو الاستفادة من تدخلات الخارج لخدمة الداخل.

صحيح أن اليمن اليوم ساحة لتقاطع أطماع ومصالح لاعبين كثيرين، لكن هذا لا يمنع أن تنهض إرادة أبنائه لتقول للعالم: نحن هنا، وهذا بلدنا، ونرحب بكل تعاون يخدم الوطن ومصالح الجوار.

الوطن ينادي، وعلى كل وطني غيور أن يلبي النداء.. من أجل إنقاذ الوطن، والتعالي على الجراح، وتغليب المصلحة العليا.. على اليمنيين جميعاً أن يقفوا لحظة صمت يقررون بعدها مصيرهم ومصير أولادهم ومستقبل وطنهم.

نريد الوطن بإرادة لا تنكسر وإقدام جبار وعزم لا يلين.. عودة الوطن، ولا شيء غير الوطن، وبأي ثمن، ولو كان الثمن الحرب.

 

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock