أقلام حره

سلبية الإعلام وفرض الحياة الخاصة للمشاهير على الجمهور.. إلى متى؟

بقلم: سماح محروس – مواطنة مصرية وناشطة في دعم حقوق المرأة والطفل

في ظل ما يواجهه المواطن المصري من ضغوط يومية وملفات اقتصادية واجتماعية وتعليمية وصحية تحتاج إلى اهتمام حقيقي، يفرض سؤال نفسه بقوة على الساحة الإعلامية: لماذا تتحول الخلافات والحياة العائلية لبعض المشاهير إلى مادة يومية تُفرض على الجمهور وكأنها قضية رأي عام؟

لقد أصبح من المزعج أن يفتح المواطن موقعًا إخباريًا أو يتابع إحدى المنصات، فيجد أمامه سيلًا من الأخبار عن خلافات أسرية، وانفصالات، وتصريحات متبادلة، ومشاحنات شخصية، وتفاصيل كان من الطبيعي أن تظل داخل نطاق أصحابها.

لحظة وكفى

من حق الجمهور أن يسأل الإعلام: ما القيمة التي يضيفها تكرار هذه الأخبار؟ وما المصلحة العامة في تحويل مشكلة عائلية خاصة إلى قضية تتصدر المواقع والمنصات لأيام وربما أسابيع؟

المواطن لديه ما يكفيه من القضايا التي تستحق المتابعة؛ يريد أن يعرف ما يمس حياته ومستقبله، وأن يرى إعلامًا يناقش مشكلاته ويبحث عن الحلول، لا إعلامًا يحاصره بالسلبية ويجعل من تفاصيل الحياة الشخصية لبعض المشاهير مادة أساسية لجذب المشاهدات.

الحياة الخاصة ليست ملكًا للرأي العام لمجرد أن أحد أطرافها شخصية مشهورة.

والأصل أن تكون هناك حدود واضحة بين حق الجمهور في معرفة ما يتعلق بالشأن العام، وبين حق الأفراد وأسرهم في الخصوصية. كما أن المسؤولية تقع على المشاهير أنفسهم في عدم تحويل خلافاتهم العائلية إلى ساحات مفتوحة أمام الجمهور.

المكانة العامة مسؤولية

الأمر يصبح أكثر حساسية عندما يتعلق بشخص يتولى موقعًا عامًا أو يمثل مؤسسة أو نشاطًا يحمل اسم مصر.

فالشهرة والمكانة ليستا مجرد امتياز، وإنما مسؤولية. ومن يمثل مصر في الرياضة أو الفن أو الثقافة أو غيرها من المجالات عليه أن يدرك أن الجمهور ينظر إليه باعتباره صاحب مكانة عامة، وأن الحفاظ على هذه المكانة يستوجب قدرًا من الانضباط والفصل بين الحياة الخاصة والدور العام.

ولا يعني ذلك التدخل في الحياة الشخصية لأحد، بل العكس تمامًا؛ المطلوب هو إبعاد الحياة الخاصة عن المجال العام ما دامت لا ترتبط بمصلحة عامة أو مخالفة تستوجب التناول الإعلامي المهني.

لقد عرفنا عبر سنوات طويلة أسماء كبيرة في الرياضة المصرية وغيرها من المجالات، وظلت أسرهم وحياتهم الشخصية بعيدة إلى حد كبير عن الأضواء. أسماء مثل الراحل الكابتن محمود الجوهري والكابتن حسن شحاتة ارتبطت في أذهان الجمهور بالإنجاز والعمل والمواقف المهنية، وليس بالخلافات العائلية وتفاصيل البيوت.

وهنا تكمن قيمة الفصل بين المكانة العامة والحياة الخاصة.

لا تجعلوا الأسرة مادة للترند

كما ينبغي ألا تتحول الزوجات أو الأزواج أو أفراد الأسر إلى أدوات لصناعة “الترند”، وألا تصبح الخلافات الشخصية فرصة لتحقيق المشاهدات على حساب سمعة الأسر أو صورة الشخصيات العامة.

وفي الوقت نفسه، لا يصح تحميل طرف بعينه المسؤولية لمجرد كونه رجلًا أو امرأة؛ فالمعيار يجب أن يكون واحدًا للجميع: احترام الخصوصية، وعدم استغلال الخلاف الأسري للشهرة، وعدم إقحام الجمهور فيما لا يعنيه.

فالمرأة ليست مسؤولة عن إنجاز الرجل، كما أن الرجل ليس مسؤولًا عن إنجاز المرأة، ولكل شخص مكانته ودوره. وعندما يكون أحد الطرفين شخصية عامة، ينبغي ألا تتحول العلاقة الزوجية أو الخلافات الأسرية إلى وسيلة لتصدر المشهد الإعلامي.

أين قضايا المواطن؟

بدلًا من عشرات الأخبار المتشابهة حول خلاف شخصي لأحد المشاهير، لماذا لا تُخصص المساحات نفسها لمشكلات المواطن؟

أين الملفات المتعلقة بالتعليم والصحة والأسعار وفرص العمل والشباب والأسرة والطفل؟ أين العلماء والباحثون والمبدعون وأصحاب الإنجازات الذين يستحقون أن يعرفهم المجتمع؟

وفي رأيي الشخصي، فإن العلماء وأصحاب الإنجازات العلمية والفكرية من أكثر الفئات استحقاقًا للتقدير والتكريم وتسليط الضوء، لأن ما يقدمونه يبني المستقبل ويصنع قيمة حقيقية للأجيال.

الإعلام لا ينقل الواقع فقط، وإنما يساهم في تحديد ما يراه المجتمع مهمًا. وعندما تتصدر الفضائح والخلافات الخاصة بصورة مستمرة، فإننا نصنع بيئة إعلامية تمنح الصخب مساحة أكبر من الإنجاز.

رسالة إلى الإعلام

رسالتي إلى وسائل الإعلام والمواقع الإخبارية واضحة:

كفى فرضًا لتفاصيل الحياة الخاصة للمشاهير على الجمهور.

ناقشوا ما يهم المواطن، وابحثوا عن الحلول، وسلطوا الضوء على النماذج الناجحة والعلماء والمبدعين، واحترموا حق الجمهور في إعلام يرتقي بوعيه بدلًا من استنزافه في خلافات لا تخصه.

كما أن من يتشرف بتمثيل مصر في أي نشاط عام عليه أن يحافظ على قيمة هذه المكانة، وأن يفصل قدر الإمكان بين حياته الشخصية ومسؤوليته العامة؛ فاسم مصر ومكانة مؤسساتها أكبر من أي خلاف شخصي أو سباق على الظهور.

لسنا ضد النقد، ولسنا ضد نقل الأخبار التي تحمل مصلحة عامة حقيقية، وإنما نحن ضد تحويل الحياة الخاصة إلى سلعة إعلامية، وضد صناعة الإثارة من مشكلات البيوت، وضد إشغال الرأي العام بما لا يقدم له حلًا ولا معرفة ولا قيمة.

الجمهور ليس طرفًا في خلافات المشاهير، ولا ينبغي أن يتحول إلى شاهد دائم عليها.

احترموا عقل المشاهد، واحترموا خصوصية البيوت، واحترموا مكانة من يمثلون مصر، وأعيدوا الأولوية إلى قضايا المواطن الحقيقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock