أقلام حره

تكامل القانون وعلم النفس: لماذا أصبح “المحامي النفسي” ضرورة لحماية الأسرة؟

كم أسرة كان يمكن إنقاذها لو فهمنا الإنسان قبل أن نقرأ القضية؟

 

بقلم د. هاله عبد العزيز
محامية واستشاري علاقات أسرية
مؤسسة منهج المحامي النفسي

في محاكم الأسرة لا تبدأ الخصومة عند أول صحيفة دعوى ولا تنتهي بصدور الحكم. فغالبًا ما تكون القضية التي تصل إلى المحكمة هي الفصل الأخير من أزمة نفسية وإنسانية بدأت قبل ذلك بسنوات، ثم تحولت إلى نزاع قانوني.

ولهذا فإن التعامل مع قضايا الأسرة باعتبارها مجرد أوراق ومستندات ونصوص قانونية لم يعد كافيًا لتحقيق العدالة بمعناها الحقيقي. فالنص القانوني يحسم الحقوق، لكنه لا يعالج دائمًا أسباب الصراع، ولا يمنع تكراره ولا يحمي الأبناء من آثاره الممتدة.

من واقع الممارسة العملية، يتبين أن كثيرًا من الخصومات الأسرية لا يكون سببها الحقيقي خلافًا قانونيًا وإنما تراكمات من الغضب وسوء الفهم والرغبة في الانتقام والخوف والعناد والعجز عن إدارة المشاعر. وعندما تصل هذه المشاعر إلى ساحة القضاء، فإنها غالبًا ما ترتدي ثوب المطالب القانونية.

من هنا برزت الحاجة إلى رؤية مهنية مختلفة، تجمع بين الخبرة القانونية وفهم السلوك الإنساني وهي الرؤية التي أطلقت عليها اسم “المحامي النفسي”.

لا يقوم هذا المنهج على استبدال القانون بعلم النفس ولا على تحويل المحامي إلى معالج نفسي، وإنما يقوم على تكامل التخصصين بحيث يظل القانون هو المرجعية في حماية الحقوق بينما يساعد التحليل النفسي والسلوكي على فهم طبيعة النزاع وإدارته بصورة أكثر كفاءة.

وتبدأ هذه الرؤية بالتشخيص الصحيح للنزاع. فقبل تحديد الإجراء القانوني المناسب يصبح من الضروري فهم الدافع الحقيقي وراء الخصومة: هل الهدف استرداد حق مشروع؟ أم تصفية حسابات؟ أم معاقبة الطرف الآخر؟ أم أن القرار اتُّخذ تحت تأثير صدمة أو غضب مؤقت؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة قد تغيّر طريقة إدارة القضية بالكامل.

كما أن الضغوط النفسية الحادة تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الإنسان على اتخاذ القرار وهو ما تؤكد عليه الأدبيات العلمية في مجال الصحة النفسية. لذلك فإن تهدئة الحالة الانفعالية للموكل قبل اتخاذ الإجراءات المصيرية ليست ترفًا مهنيًا بل خطوة تساعد على اتخاذ قرارات أكثر اتزانًا وتجنب نزاعات كان يمكن احتواؤها بوسائل أقل تكلفة إنسانيًا وماديًا.

وتبرز أهمية هذا التكامل بصورة أكبر عندما يكون الأطفال طرفًا غير مباشر في النزاع. فمصلحة الطفل الفضلى يجب أن تظل المعيار الحاكم لكل إجراء وهو ما أكدته المادة الثالثة من اتفاقية حقوق الطفل التي جعلت مصلحة الطفل اعتبارًا أساسيًا في جميع الإجراءات المتعلقة به. ومن ثم ينبغي ألا تتحول الحضانة أو الرؤية أو الاستضافة إلى أدوات للضغط المتبادل، بل إلى وسائل تضمن استمرار حق الطفل في الأمان والاستقرار والعلاقة الصحية مع والديه.

ولا يقتصر هذا المنهج على مرحلة التقاضي، بل يمتد إلى ما قبلها وما بعدها. ففي مرحلة ما قبل النزاع يمكن للوساطة المهنية أن تخفف حدة الصراع وتفتح المجال أمام حلول تحفظ الأسرة كلما كان ذلك ممكنًا. أما بعد صدور الأحكام، فإن نجاح العدالة لا يُقاس فقط بصدور الحكم وإنما بقدرة الأطراف على تنفيذه بما يحقق الغاية التي شُرع من أجلها بعيدًا عن تجدد الخصومات.

إن العدالة الأسرية في العصر الحديث لم تعد تقتصر على تطبيق النصوص القانونية بل أصبحت تتطلب فهمًا أعمق للإنسان الذي تُطبق عليه هذه النصوص. فكلما نجحنا في قراءة البعد النفسي للنزاع، أصبح تطبيق القانون أكثر عدلًا وأقرب إلى تحقيق الاستقرار الذي تنشده الأسرة والمجتمع.

إن “المحامي النفسي ” ليس لقبًا جديدًا ولا محاولة لإعادة تعريف مهنة المحاماة بل رؤية مهنية تسعى إلى تطوير أدواتها بما يتوافق مع تعقيد العلاقات الإنسانية. فحين يتكامل القانون مع علم النفس لا يصبح الهدف مجرد كسب قضية وإنما حماية إنسان وصيانة أسرة والإسهام في بناء مجتمع أكثر استقرارًا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock