
مصر.. حصن الأمن الإقليمي من دمياط إلى حدودها الأربعة
كتبت الدكتورة مايسة خليل حسن
المدير التنفيذي لمركز الرؤية للدراسات السياسية والاستراتيجية
في مشهد إقليمي يشهد تحولات عميقة، حيث تتسع دائرة الصراع لتطال بنية تحتية لم تكن في الحسبان، وقفت مصر أمام اختبار حقيقي لقدرة مؤسساتها على حماية أمنها القومي، واستقرار إمدادات الطاقة، والتصدي لمحاولات جرها إلى ساحة صراع لا تريده. فاستهداف سفينة تغويز الغاز الطبيعي المسال المملوكة للولايات المتحدة في ميناء دمياط بطائرة مسيرة، في المرة الأولى من نوعها منذ اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، لم يكن مجرد حادث أمني عابر، بل كشف عن تحول نوعي في طبيعة التهديدات التي تواجهها مصر، حيث تثبت مصر يوماً بعد يوم أنها الحصن المنيع والقلعة الصامدة التي لا تنكسر، وأن حدودها الأربعة كلها في حالة تأهب دائم لمواجهة أي طارئ.
جاء هذا الحادث في توقيت بالغ الحساسية، حيث تعتمد القاهرة على واردات الغاز المسال كعنصر رئيسي في موازنة الطاقة، لسد الفجوة المتسعة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك، والتي بلغت مستويات قياسية في النصف الأول من العام الجاري. وكانت سفينة التغويز المستهدفة تضخ قرابة 450 مليون قدم مكعبة يومياً إلى الشبكة القومية، ما يعني أن أي خلل في هذه المنظومة كان سينعكس مباشرة على قدرة محطات الكهرباء على تلبية احتياجات السوق المحلية، خاصة في ذروة الصيف. لكن القاهرة، التي أظهرت قدرة استثنائية على احتواء الأزمة، تمكنت بسرعة من إعادة توجيه شحنات الغاز عبر ميناء العقبة الأردني، وتأمين استمرار الإمدادات، مع الحفاظ على حركة الملاحة في الميناء بطاقتها الطبيعية، في مشهد كشف عن مستوى عالٍ من الجاهزية، وعن عمق التنسيق مع الأردن كحليف استراتيجي في أوقات الأزمات، وعن قدرة مصر على تحويل التحديات إلى فرص لإظهار قوة مؤسساتها وقدرتها على الصمود، مؤكدة أن أمنها القومي يمتد من دمياط شمالاً إلى حدودها الجنوبية، ومن البحر الأحمر شرقاً إلى عمق الصحراء غرباً.
لكن الأهم من الجاهزية اللوجستية، هو الموقف السياسي الحكيم الذي تبنته مصر في التعامل مع الحادث. فالإعلان السريع عن نتائج التحقيقات الأولية، مع التأكيد على أن الحريق ناتج عن طائرة مسيرة، دون الانجراف إلى اتهام جهة معينة، أو الرد على الاستفزازات التي قد تهدف إلى جر البلاد إلى صراع إقليمي مفتوح، عكس إدراكاً استراتيجياً عميقاً بطبيعة المرحلة. فمصر، التي تمكنت حتى الآن من الحفاظ على مسافة آمنة من جبهات القتال المباشرة، تدرك أن الانزلاق إلى حرب إقليمية قد يكلفها استقرارها الاقتصادي، ويُربك خططها التنموية، ويُضعف دورها كركيزة للاستقرار في منطقة مضطربة. ولذلك، فإن الحفاظ على التوازن في العلاقات مع جميع الأطراف، وتأمين البنية التحتية، وتعزيز القدرات الدفاعية، هي الأسس التي تضمن استمرار هذا الدور، وتجعل من مصر رقماً صعباً في أي معادلة إقليمية، وقلعة حصينة من دمياط إلى آخر حدودها.
إن استهداف ميناء دمياط يحمل أبعاداً جيوسياسية تتجاوز تأثيره المباشر على قطاع الطاقة. فهو يمثل رسالة بأن البنية التحتية للطاقة في دول لم تختر الحرب أصبحت أهدافاً مشروعة في الصراع القائم، مما يضع المنطقة أمام تحديات أمنية غير مسبوقة. كما أن الهجوم، الذي استهدف سفينة مملوكة للولايات المتحدة، يحمل رسالة واضحة لواشنطن بأن قدرتها على حماية بنيتها التحتية في المنطقة ليست مطلقة، وأن خصومها قادرون على استهداف مصالحها في أي مكان، مما يزيد من تعقيد المعادلة الأمنية في المنطقة. وفي هذا السياق، يظهر الموقف المصري كعنوان للثبات الاستراتيجي، حيث تمكنت الدولة من احتواء تداعيات الحادث بسرعة، وتأمين استمرار الإمدادات، مع تجنب التصعيد أو الرد العاطفي، في مشهد يعكس نضجاً سياسياً وقدرة على إدارة الأزمات في واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخ المنطقة. ومصر، التي تدرك أن أمنها القومي يمتد من دمياط في الشمال إلى أعماق أفريقيا في الجنوب، ومن الخليج العربي في الشرق إلى المحيط الأطلسي في الغرب، تثبت مرة أخرى أنها ليست مجرد دولة في المنطقة، بل هي العمق الاستراتيجي الذي لا يمكن تجاوزه، والحصن المنيع الذي يحمي استقرار المنطقة بأسرها، وأن أي تهديد لأمنها هو تهديد لاستقرار الشرق الأوسط بأكمله.
يمكن قراءة هذا الموقف في ضوء مفهوم “الأمن الشامل” الذي يتجاوز البعد العسكري ليشمل الأمن الاقتصادي والطاقي والبنية التحتية. فمصر، التي أدركت مبكراً أهمية تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز مرونة منظومة الاستيراد، والعمل على زيادة الإنتاج المحلي، أثبتت أنها دولة تتعامل مع الأمن كمنظومة متكاملة، لا تقتصر على الردع العسكري، بل تشمل التخطيط الاستباقي، وتأمين البدائل، وبناء تحالفات استراتيجية قادرة على الصمود في وجه الأزمات. وهذا ما يجعل التجربة المصرية في التعامل مع أزمة دمياط نموذجاً يحتذى به في كيفية إدارة الأزمات في زمن تتشابك فيه التهديدات، وتتداخل فيه المصالح، وتتغير فيه قواعد اللعبة، وتصبح فيه الدولة الوطنية هي الملاذ الأخير في وجه الفوضى الإقليمية، وتثبت مصر يوماً بعد يوم أن حدودها ليست مجرد خطوط على الخريطة، بل هي خطوط دفاع أمامية لحماية الاستقرار الإقليمي بأكمله.
يثبت الموقف المصري أن القوة الحقيقية لا تكمن في حجم الترسانة العسكرية فقط، بل في القدرة على قراءة المشهد الإقليمي بعيون واعية، والتمسك بثوابت الدولة الوطنية في مواجهة محاولات الاستدراج، وإدارة الأزمات بحكمة تمنع الانزلاق إلى صراعات لا تُحمد عقباها. فمصر، التي كانت ولا تزال ركيزة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، تقدم نموذجاً لدولة تعرف كيف تحمي أمنها في زمن الفوضى، دون أن تفقد بوصلتها، ودون أن تتنازل عن دورها كحصن للمنطقة بأسرها. وفي كل اختبار، من دمياط إلى رفح، ومن العلمين إلى حلايب، تخرج مصر أقوى مما كانت، لتؤكد أن استقرار المنطقة يبدأ من القاهرة، وأن أي محاولة للنيل من أمنها هي محاولة للنيل من استقرار المنطقة بأكملها، وأن مصر، بجيشها القوي ومؤسساتها الراسخة وقيادتها الحكيمة، هي الضمانة الأخيرة لاستقرار الشرق الأوسط في زمن تتلاطم فيه الأمواج من كل اتجاه.



