
د. محمود سيد يكتب: إيران تعيد كتابة قواعد الشطرنج الجيوسياسي
في لعبة الشطرنج، لا يكفي امتلاك الملك لضمان النصر، بل القدرة على قراءة تحركات الخصم وتوقعها قبل أن يخطو خطوته. هذا ما تفعله إيران اليوم في مواجهة الإدارة الأمريكية، حيث تتحول المنطقة إلى رقعة شطرنج معقدة، يتحرك فيها الإيرانيون بدهاء وحسابات دقيقة، بينما يراهن ترامب على القمار في حربٍ يبدو أنه يخسر فيها جولة تلو الأخرى. فما يجري على أرض الواقع ليس مجرد تصعيد عسكري عابر، بل هو إعادة كتابة كاملة لقواعد الاشتباك في الشرق الأوسط، حيث تثبت طهران أنها لم تعد الخصم التقليدي الذي ينتظر الضربة، بل أصبحت لاعباً استراتيجياً يسبق الأحداث ويصنعها. لقد نجحت طهران في قلب الطاولة على الأمريكيين، حين انتقلت بالصراع من مضيق هرمز، حيث تمكنت عملياً من فرض سيطرتها على شريان النفط العالمي، إلى البحر الأحمر في خطوة نوعية فتحت جبهة جديدة للتوتر. لم يكن الهجوم على ناقلتي النفط السعوديتين في البحر الأحمر عملاً عسكرياً معزولاً، بل كان رسالة واضحة مفادها أن إيران قادرة على توسيع دائرة الصراع وإشعال أكثر من جبهة في وقت واحد، وأنها تمتلك القدرة على تهديد المصالح الحيوية للدول الخليجية في أكثر من مسرح عملياتي. الهجوم الذي استهدف ناقلتي نفط سعوديتين بقيمة تجاوزت 342 مليون دولار لم يكن مجرد عملية قرصنة بحرية، بل كان حساباً استراتيجياً دقيقاً وضع في اعتباره عدة أهداف متداخلة، فالهدف الأول كان اقتصادياً، إذ أدى الهجوم إلى قفزة فورية في أسعار النفط تجاوزت عتبة 100 دولار للبرميل، مما ألحق أضراراً مباشرة بالاقتصاد العالمي وأثر على المستهلكين في جميع أنحاء العالم، أما الهدف الثاني فكان سياسياً، حيث تزامن الهجوم مع جلسات الكونغرس الأمريكية، مما وضع المشرعين في موقف حرج وأجبرهم على التحرك لتقييد صلاحيات الرئيس ترامب العسكرية، وكانت النتيجة فورية ومذهلة في الوقت نفسه، إذ تراجع مؤشر داو جونز الصناعي بأكثر من 500 نقطة في جلسة تداول واحدة، وسط حالة من الذعر في الأسواق المالية العالمية، وهذا التراجع لم يكن مجرد رد فعل عابر، بل كان إنذاراً واضحاً بأن أي تصعيد في المنطقة سيكون له تداعيات اقتصادية كارثية على الولايات المتحدة وحلفائها، وهو ما يزيد من تكلفة الحرب على إيران ويجعلها أقل قبولاً في الأوساط السياسية والمالية الأمريكية. في مشهد يعكس براعة إيرانية في استغلال نقاط الضعف الأمريكية، جاء الهجوم على ناقلتي النفط ليتزامن مع لحظة سياسية بالغة الحساسية في واشنطن، ففي أثناء انعقاد جلسات الكونغرس لمناقشة الصلاحيات الحربية للرئيس، نجحت طهران في تعميق الانقسامات السياسية في واشنطن، ودفعت المشرعين، حتى من داخل الحزب الجمهوري، إلى تقييد صلاحيات ترامب العسكرية، وإن تمرير قرار مجلس النواب بأغلبية 215 صوتاً مقابل 208، بمشاركة أربعة نواب جمهوريين، لم يكن مجرد إجراء برلماني عابر، بل كان انعكاساً لشرخ عميق في الإدارة الأمريكية يهز ثقة حلفاء واشنطن في الخليج، وكما وصفها المستشارة السابقة في وزارة الدفاع الأمريكية هيام نعواس، فإن هذا التصويت يكشف عن مؤشرات تصدع داخل القاعدة السياسية المناهضة للحرب مع إيران، وغياب تصور واضح لنهاية العمليات أو أهدافها النهائية، والأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو أن إيران تمكنت من تحقيق هذا الاختراق السياسي دون أن تطلق رصاصة واحدة على الأراضي الأمريكية، بل من خلال استغلال التناقضات الداخلية في النظام السياسي الأمريكي نفسه، فهي أظهرت للعالم أن الولايات المتحدة، رغم قوتها العسكرية الهائلة، تعاني من شلل سياسي يجعلها غير قادرة على اتخاذ قرارات حاسمة في مواجهة التحديات الخارجية، وهو ما يضعف موقفها التفاوضي ويعزز ثقة خصومها في قدراتهم على المناورة. هنا تبرز عبقرية الاستراتيجية الإيرانية التي تعتمد على مزيج من الردع والاستنزاف، وهو ما يتوافق تماماً مع حكمة صن تزو في فن الحرب التي تعتبر من أهم المراجع العسكرية في التاريخ، فإيران التي تدرك أنها لا تمتلك التفوق العسكري المباشر، تتبع استراتيجية إطالة الحرب وإضعاف العدو تدريجياً، مستخدمة أدواتها المتعددة من صواريخ وطائرات مسيرة، وفتح جبهات متعددة في المنطقة، وكما يلاحظ حميد رضا عزيزي الباحث في الشؤون الإيرانية، فإن إيران لم تعد تعتمد على الردع التقليدي القائم على التهديد، بل انتقلت إلى الردع من خلال العقاب عبر الاستخدام الفعلي للصواريخ والطائرات المسيّرة واستهداف البنى التحتية الحيوية، وهذا التحول في مفهوم الردع يعكس نضجاً استراتيجياً إيرانياً، حيث باتت طهران تفضل الأفعال على الأقوال، وتؤكد أن أي تهديد سيواجه برد فعل ملموس ومؤلم، واللافت في الاستراتيجية الإيرانية هو استخدامها الذكي للوكالة في المنطقة، فإيران لم تخض حرباً مباشرة مع الولايات المتحدة حتى الآن، لكنها نجحت في إشعال أكثر من جبهة بالوكالة، من اليمن عبر الحوثيين، إلى لبنان عبر حزب الله، إلى سوريا والعراق عبر الميليشيات الموالية لها، وهذا التوزيع الجغرافي للقوة يجعل من المستحيل على الولايات المتحدة تحقيق نصر حاسم في أي جبهة، بينما تظل إيران نفسها بمنأى عن التداعيات المباشرة للحرب. ترامب يظن أن كل خسارة تعوض برهان أكبر، لكنه خسر بالفعل السيطرة على مضيق هرمز، وهو في طريقه لخسارة باب المندب، فالرئيس الأمريكي الذي يوصف غالباً بأنه رجل أعمال لا سياسي، يتعامل مع الأزمات الدولية كما لو كانت صفقات تجارية يمكن تفاوضها أو إعادة هيكلتها، لكن الحقيقة أن الجغرافيا السياسية ليست سوقاً للمال، وأن الشرق الأوسط ليس كازينو حيث يمكن تعويض الخسائر برهانات جديدة، ويقول صن تزو من يندفع إلى المعركة غاضباً سيقاتل بشروط خصمه، وهذا ما يفعله ترامب بالضبط، فبدلاً من وضع استراتيجية واضحة للتعامل مع إيران، يندفع الرئيس الأمريكي في ردود فعل عاطفية، تارة بالتصعيد عبر العقوبات القصوى، وتارة بالتهديدات العسكرية، وتارة أخرى بالدعوات إلى المفاوضات دون شروط مسبقة، وهذا التذبذب في الموقف الأمريكي يمنح إيران فرصة ذهبية لاستغلال التناقضات الأمريكية، ويدفع حلفاء واشنطن في المنطقة إلى التساؤل عن مدى جدية التزام الولايات المتحدة بأمنهم، والمقارنة بين أسلوب ترامب وأسلوب إيران في إدارة الصراع تكشف عن فجوة هائلة في المنهجية، فبينما يراهن ترامب على القمار حيث يعتمد على الحظ والاندفاع، تلعب طهران شطرنجاً محكماً حيث كل خطوة محسوبة ومدروسة ولكل تضحية هدف استراتيجي، وكما يقول صن تزو في موضع آخر، الانتصار في المعركة لا يتحقق بقوة الجنود بل بحكمة القائد، وهذا ما تثبته إيران يومياً في مواجهتها مع أقوى دولة في العالم. لا يمكن الحديث عن هذه المواجهة دون التطرق إلى تداعياتها الاقتصادية المدمرة على العالم بأسره، فاستهداف ناقلتي النفط السعوديتين رفع أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل، مما أثر على تكاليف الطاقة في جميع أنحاء العالم، وأدى إلى زيادة التضخم في الدول المستوردة للنفط، وأثقل كاهل الاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً من أعباء الديون، والأمر الأكثر خطورة هو أن إيران أثبتت قدرتها على التأثير في الأسواق المالية العالمية بأقل التكاليف، فتراجع مؤشر داو جونز بأكثر من 500 نقطة في يوم واحد هو بمثابة رسالة إلى وول ستريت مفادها أن الاستقرار المالي العالمي رهن بجهود دبلوماسية في منطقة مضطربة، وأن أي تصعيد يمكن أن يكلف الاقتصاد الأمريكي مليارات الدولارات في غضون ساعات، وهذه التداعيات الاقتصادية تجعل من الصعب على الولايات المتحدة شن حرب شاملة ضد إيران، ليس فقط لأسباب عسكرية، بل أيضاً لأسباب اقتصادية بحتة، فالأسواق المالية لا تحب عدم اليقين، والحرب في الشرق الأوسط تعني عدم يقين كبير، مما يدفع المستثمرين إلى الهروب من الأصول الخطرة ويزيد من تقلب الأسواق، وهنا تكمن قوة إيران، فهي تستطيع تحقيق أهدافها الاستراتيجية دون الحاجة إلى خوض حرب كبرى، فقط عن طريق تهديد استقرار الأسواق ودفع الولايات المتحدة إلى حساب تكلفة أي مغامرة عسكرية. الانقسام الجمهوري في الكونغرس الأمريكي لم يمر مرور الكرام على حلفاء واشنطن في الخليج، فالمملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين التي راهنت على الحماية الأمريكية، أصبحت اليوم تدرك أن واشنطن قد لا تكون قادرة على الوفاء بالتزاماتها الأمنية في مواجهة التحديات الإيرانية، وهذا الإدراك يدفع هذه الدول إلى إعادة حساب استراتيجياتها، والبحث عن توازنات جديدة في المنطقة، ربما عبر الانفتاح على إيران نفسها، أو عبر تعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية، واللافت أن إيران نجحت في إحداث شرخ في العلاقات الأمريكية-الخليجية دون أن تطلق صاروخاً واحداً على أراضي هذه الدول، فالخوف من الحرب، وعدم اليقين بشأن الموقف الأمريكي، والانقسامات الداخلية في واشنطن، كلها عوامل جعلت دول الخليج تعيد النظر في تحالفاتها وتستعد لسيناريوهات مختلفة، وفي هذا السياق تبرز التقارير عن مفاوضات غير مباشرة بين دول الخليج وإيران، أو عن رغبة بعض الدول الخليجية في تجنب التصعيد مع طهران، كمؤشرات على نجاح الاستراتيجية الإيرانية في عزل واشنطن عن حلفائها التقليديين. لقد آن الأوان لأن تدرك واشنطن أن إيران ليست خصماً يمكن هزيمته في معركة واحدة، بل هي لاعب ماهر على رقعة الشطرنج الإقليمية، تعيد كتابة قواعد اللعبة في كل جولة، وكما انتهى مشروع تاج محل بالإفلاس، في إشارة إلى مشاريع طموحة انتهت بالفشل بسبب سوء التقدير، ستنتهي حرب ترامب على إيران بالطريقة نفسها، لأن الحروب كما يعلم صن تزو لا تمنح الخاسر فرصة أخرى، والتاريخ يعيد نفسه لكن بأبطال جدد، فقبل قرون كان الفرس يكتبون قواعد الشطرنج التي انتشرت في العالم، وكانوا أساتذة في فن الحرب والسياسة، واليوم يبدو أن إيران تستلهم دروس أسلافها، وتطبق حكمة صن تزو في عالم مختلف، حيث أصبحت الأسلحة الاقتصادية والسياسية لا تقل أهمية عن الأسلحة التقليدية، وسيظل هناك فارسياً جديداً يكتب قواعد الشطرنج، كما فعل أسلافه قبل قرون، في لعبة لا يعرف فيها النصر إلا من يقرأ تحركات خصومه قبل أن يخطوا خطوتهم التالية، أما الولايات المتحدة فستظل تتساءل لماذا نخسر دائماً في الشرق الأوسط بينما نكسب في كل مكان آخر، والإجابة بسيطة لأن الشرق الأوسط ليس ساحة حرب تقليدية، بل هو رقعة شطرنج معقدة، لا يفوز فيها إلا من يعرف كيف يقرأ اللعبة بأكملها وليس مجرد حركة واحدة، وإيران اليوم تقرأ اللعبة بأكملها بينما ترامب لا يزال يراهن على الحظ وهو الخاسر في النهايه لان مشروعه انتهى وسيعود وهو يجر اذيال الخيبه عندها ستنتهي احلام البيت الأبيض وستكون امريكا كالفيل المسن الذي كلما عاد إلى الوراء دمر ماخلفه …



