
مدحت الحلفاوي يكتب: العمر لا ينتظر أحد
ثمة حقائق لا ندركها في بدايات العمر لأننا نكون مشغولين بالأحلام والطموحات ونظن أن الطريق طويل وأن الوقت في صفنا وأن الشباب مرحلة ممتدة لا تنتهي بسهولة. لكن مع مرور الأيام نكتشف أن الزمن لا يتوقف وأن العمر يمضي بهدوء بينما نحن لا نشعر إلا متأخرا بأن سنوات كثيرة قد عبرت من بين أيدينا. مرحلة الشباب تبدو في نظر الكثيرين وكأنها مساحة مفتوحة من القوة والقدرة والاحتمال لكنها في حقيقتها مرحلة بناء دقيقة يتم فيها تشكيل الإنسان من الداخل دون أن ينتبه إلى أن ما يبنيه اليوم سيحدد ملامحه في الغد… لذلك فإن كل قرار صغير في هذه المرحلة يترك أثره في الطريق الطويل الذي ينتظر كل إنسان. ومع انشغال الإنسان في تفاصيل الحياة اليومية من دراسة أو عمل أو سعي خلف المستقبل ينسى أن الوقت ليس شيئا ثابتا وأن الأيام لا تعود وأن ما يمر اليوم يصبح غدا ذكرى بعيدة لا يمكن استعادتها. وهنا تبدأ لحظة الإدراك حين ينظر الإنسان خلفه فيجد أن كثيرا مما كان يظنه قادما أصبح ماضيا بالفعل. ليس المقصود من هذه الكلمات أن نخيف أحدا من العمر أو أن نثقل على الشباب بفكرة القلق من الزمن بل المقصود أن نعيد ترتيب الوعي تجاه الحياة وأن نفهم أن كل مرحلة لها قيمتها وأن الشباب فرصة لا تتكرر بنفس الطاقة ولا بنفس الصفاء وأن استغلالها في البناء الحقيقي للذات هو أعظم ما يمكن أن يفعله الإنسان. إن العمر لا يمنح فرصا متكررة بنفس الشكل لذلك فإن ما لا ينجز في وقته يحتاج لاحقا إلى جهد أكبر وصبر أطول وربما لا يعود بنفس السهولة التي كانت متاحة في البدايات. ولهذا فإن الوعي بقيمة الوقت ليس ترفا فكريا بل ضرورة لحياة أكثر توازنا ونجاحا واستقرارا. وفي النهاية يبقى المعنى الأهم أن الحياة لا تطلب من الإنسان أن يتوقف عن الحلم أو أن يخشى المستقبل لكنها تطلب منه فقط أن يعيش كل مرحلة بوعي كامل وأن يمنح كل يوم حقه قبل أن يصبح جزءا من الماضي وأن يدرك أن أجمل ما في العمر ليس طوله بل صدق ما نفعله فيه. اللهم ارزقنا وعي العمر قبل فواته وبصيرة تجعلنا نرى قيمة الأيام قبل أن تصبح ذكرى واهدنا لاستثمار ما تبقى من أعمارنا فيما يرضيك عنا واجعل ما مضى لنا عونا لا حسرة وما هو آت بركة وسكينة ورضا.



