قمة أنقرة لحلف الناتو وإعادة تشكيل الضمانات الأمنية الأمريكية تجاه أوروبا
قمة أنقرة.. هل تنتهي حقبة الضمانة الأمريكية لأمن أوروبا؟
بقلم محمد جمال قنديل
استضافت العاصمة التركية أنقرة، يومي 7 و8 يوليو 2026، القمة السادسة والثلاثين لحلف شمال الأطلسي “الناتو”، في أجواء مشحونة بالتوتر بين ضفتي الأطلسي أكثر من أي وقت مضى منذ تأسيس الحلف قبل 77 عامًا. القمة التي كان يفترض أن تُكرّس لملفات تقنية كالإنفاق الدفاعي والإنتاج العسكري، تحولت إلى اختبار سياسي مصيري لمدى تماسك المنظومة الأطلسية في ظل رئاسة دونالد ترامب الثانية، وتصاعد شكوكه العلنية في جدوى استمرار الالتزام الأمريكي بحماية أوروبا.
المؤشر الأخطر.. تقليص فعلي وليس تهديدًا نظريًا
على عكس التهديدات السابقة التي أطلقها ترامب خلال ولايته الأولى، فإن ما يحدث هذه المرة يبدو أقرب إلى قرارات تنفيذية بدأت بالفعل على الأرض. البنتاغون خفض عدد فرق القتال التابعة للجيش الأمريكي في أوروبا من أربع فرق إلى ثلاث، وألغى نشر ما يقارب أربعة آلاف جندي كان مقررًا في بولندا، إلى جانب سحب خمسة آلاف جندي من ألمانيا وإلغاء خطط لنقل كتيبة نيران بعيدة المدى وكتيبة دفاع جوي كانتا ستُلحقان بإحدى وحدات الجيش الأمريكي متعددة المجالات في أوروبا. كما تشير تقارير عسكرية إلى أن التقليص المرتقب سيطال أعدادًا من الطائرات المقاتلة وطائرات التزود بالوقود والمسيّرات والسفن الحربية، بما قد يصل إلى خفض ثلث القدرات الأمريكية المتاحة للحلف في سيناريوهات المواجهة مع روسيا.
ورغم أن مسؤولين أمريكيين حاولوا التخفيف من وقع هذه الأنباء بالقول إن تقليص قوات الناتو “ليس مطروحًا رسميًا” في أجندة قمة أنقرة، فإن وزير الدفاع الأمريكي كان قد أعلن في اجتماع بروكسل يوم 18 يونيو الماضي عن مراجعة تستغرق ستة أشهر لطبيعة الانتشار العسكري الأمريكي في أوروبا، وهو ما يمنح واشنطن هامشًا زمنيًا لإعادة رسم وجودها العسكري دون إثارة أزمة سياسية مباشرة أثناء القمة نفسها.
خلفية الأزمة: غضب ترامب من “خذلان” أوروبا في حرب إيران
يصعب فهم حدة الموقف الأمريكي بمعزل عن الحرب الأخيرة بين واشنطن وطهران؛ إذ رفضت عدة دول أوروبية فتح قواعدها الجوية أمام الضربات الأمريكية على إيران، أو المشاركة في تأمين إعادة فتح مضيق هرمز بعد الهجمات على السفن فيه. هذا الرفض حوّل تشكك ترامب التقليدي في جدوى الناتو إلى ما يشبه الازدراء العلني، وهو ما عبّر عنه بمهاجمة حلفائه الأوروبيين مباشرة عبر منصته “تروث سوشيال“، معتبرًا أن استمرار واشنطن في تحمل العبء المالي لحماية أوروبا “أمر سخيف” في ظل عدم التزامهم المتبادل تجاهها.
الرد الأوروبي: زيادة الإنفاق وبناء “ناتو أوروبي”
في مواجهة هذا الواقع، تحاول العواصم الأوروبية تسريع مسار الاستقلالية الدفاعية النسبية عن واشنطن. فقد التزمت الدول الأوروبية الأعضاء وكندا بتقديم 70 مليار يورو من الدعم العسكري لأوكرانيا خلال عامي 2026 و2027 دون مشاركة أمريكية مباشرة، مع تسجيل زيادة سنوية تُقدَّر بنحو 20% في الإنفاق الدفاعي الأساسي عبر القارة. كما يسعى رئيس الوزراء البريطاني إلى حشد حلفائه لبناء ما وصفته تقارير صحفية بـ”الناتو الأوروبي” داخل الحلف نفسه، بينما تواجه دول مثل إسبانيا ضغوطًا من شركائها لرفع إنفاقها الدفاعي بما يتماشى مع المستهدفات الجديدة التي تصل إلى نحو 3.5% إلى 4% من الناتج المحلي الإجمالي، بعدما كانت في حدود 2%.
الأمين العام للحلف مارك روته يحاول انتهاج سياسة احتواء دقيقة تقوم على الإشادة العلنية بترامب وبجهود الحلفاء الأوروبيين في رفع الإنفاق، سعيًا لتفادي تكرار سيناريو قمة 2018 حين هدد ترامب فجأة بالانسحاب من الحلف. لكن مراقبين يرون أن هامش المناورة هذه المرة أضيق، خصوصًا مع توتر شخصي إضافي بين ترامب ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، وهو ما يضيف طبقة من الغموض على أجواء القمة.
تركيا: المستفيد الصامت من إعادة الترتيب
تكتسب استضافة أنقرة لهذه القمة دلالة خاصة؛ فمع تركز النقاش حول سد الفجوات التي سيخلفها التراجع الأمريكي، تجد الصناعات الدفاعية التركية نفسها في موقع تفاوضي أقوى، بالنظر إلى التزامها المسبق بمعايير التقييس الأطلسية “ستاناغ“، ما يمنحها أفضلية في المشاركة بمشروعات التسليح المشتركة وفرص أوسع للنفاذ إلى الأسواق الأوروبية. ومن المقرر أن تشهد القمة توقيع حزمة من اتفاقيات التعاون متعددة الأطراف في مجالات القدرات العملياتية والاستخبارات الفضائية، إضافة إلى صفقات تسليح كبرى تشمل صواريخ “توماهوك” المجنحة ونظام “تايفون” الأمريكي.
انعكاسات على البيئة الإقليمية العربية
لا ينفصل ما يجري في أنقرة عن السياق الإقليمي الأوسع الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط. فالانشغال الأمريكي المتصاعد بإدارة أزمة مباشرة مع إيران عقب استهداف سفن في مضيق هرمز، بالتوازي مع الضغط لإعادة توزيع الموارد العسكرية نحو مواجهة الصين، يضع حلفاء واشنطن التقليديين في المنطقة العربية أمام سؤال مشابه لذلك الذي تواجهه أوروبا: إلى أي مدى يظل الاعتماد الكامل على الضمانة الأمنية الأمريكية خيارًا مستدامًا؟ فالدول التي بنت استراتيجياتها الدفاعية لعقود على افتراض التزام أمريكي راسخ، تجد نفسها مطالبة بإعادة تقييم هذا الافتراض في ضوء نمط سلوكي متكرر يظهره ترامب تجاه حلفائه، سواء في أوروبا أو خارجها. وهذا ما يمنح مشروعات بناء القدرات الذاتية والتصنيع الدفاعي المحلي، على غرار ما تشهده مصر ودول عربية أخرى، أهمية استراتيجية متجددة كخيار تحوّطي لا ترف اختياري.
قراءة في المآلات
ما يجري في أنقرة يتجاوز كونه خلافًا عابرًا حول تقاسم الأعباء المالية داخل تحالف عسكري؛ فهو يعكس تحولًا هيكليًا في فلسفة الأمن الأمريكي، حيث تتجه واشنطن لإعادة توزيع مواردها العسكرية باتجاه مواجهة الصين في المحيطين الهندي والهادئ، على حساب التزامها التقليدي بأمن أوروبا القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وبصرف النظر عن نتائج القمة الرسمية وصيغة البيان الختامي الذي من المرجح أن يؤكد شكليًا على الدفاع الجماعي وفق المادة الخامسة، فإن المسار العملي الجاري على الأرض يشير إلى أن أوروبا مطالبة، سواء أعجبها الأمر أم لا، ببناء قدرة ردع ذاتية أكثر استقلالية خلال السنوات المقبلة. وهذا التحول، إذا تعمّق فعليًا، قد يعيد رسم خريطة التحالفات الدولية وموازين القوى في المنطقة الأوروبية لعقود قادمة، بصرف النظر عن هوية الرئيس الأمريكي القادم أو توجهاته الشخصية تجاه الحلف.
وتبقى المفارقة الأبرز أن هذا التحول يحدث من داخل الحلف نفسه لا من خارجه؛ فالولايات المتحدة لا تسعى إلى تفكيك الناتو، بل إلى إعادة صياغة قواعد العضوية فيه بما يخفف العبء المالي والعسكري عنها، ويحوّل الحلف تدريجيًا من مظلة أمنية توفرها واشنطن للحلفاء إلى شراكة أكثر تكافؤًا في توزيع المسؤوليات والتكاليف. وهذا المنطق، وإن بدا مقبولًا من الناحية الاقتصادية البحتة، يحمل في طياته مخاطرة استراتيجية حقيقية، إذ إن الردع الجماعي يعتمد في جوهره على وضوح الالتزام واستمراريته، لا على حساباته المالية وحدها. فكلما تزايدت علامات الاستفهام حول جدية الضمانة الأمريكية، ازدادت حوافز بعض الأطراف الإقليمية، سواء في أوروبا أو غيرها، لإعادة النظر في حساباتها الأمنية بمعزل عن الحلف، وهو ما قد يفتح الباب أمام تشكل توازنات دفاعية موازية خارج الإطار الأطلسي التقليدي.



