صراع الدفة: كيف تدمر الإدارة ثنائية الرأس مستقبل الشركات؟ مركب بريسين بتغرق: عندما تتحول “الرأسين” إلى كارثة إدارية
بقلم د. علا محمود معوض
محاضر فى نظم معلومات الاعمال
استشارى التحول الرقمى والذكاء الاصطناعى

المثل الشعبي المصري الأصيل يقول: “مركب بريسين بتغرق”. هذا المثل ليس مجرد تعبير دارج نتداوله في حياتنا اليومية، بل هو قاعدة ذهبية راسخة في علم الإدارة الحديث وصياغة الهياكل التنظيمية. عندما تجتمع “رأسين” لإدارة نفس السفينة أو نفس القسم داخل المؤسسة، فإن النتيجة الحتمية غالباً ما تكون الفوضى العارمة، وضياع الموظفين، وغرق المؤسسة بأكملها في بحر من القرارات المتناقضة والصراعات الداخلية.
المظهر الأكثر مأساوية في هذا المشهد هو وضع الموظفين الذين تحولوا إلى ضحايا مباشرين لهذه الفوضى الإدارية. نراهم في الرسم يجرون في كل اتجاه، يحملون الأوراق والملفات والخطط، تائهين تماماً بين التوجيهات المتضاربة. ومع تسرب المياه إلى داخل السفينة التي تحمل اسم “الشركة”، ينصب تركيز القيادة على تحدي بعضهم البعض بدلاً من إنقاذ الموقف، مما يجعل الموظف الصغير هو أول من يدفع ثمن هذا التخبط.
من الناحية العلمية، يعود فشل الإدارة ثنائية الرأس إلى كسر مبدأ أساسي يُعرف بـ “وحدة الأمر” (Unity of Command). هذا المبدأ ينص على أن الموظف يجب أن يتلقى توجيهاته وتقييمه من رئيس مباشر واحد فقط. عندما يصبح للموظف مديرين بنفس الصلاحيات، يجد نفسه في حيرة يومية قاتلة: إرضاء القائد “أ” يعني بالضرورة عصيان القائد “ب”، مما يدمر الولاء المؤسسي ويخلق بيئة عمل مشحونة بالقلق والتوتر الدائم.
علاوة على ذلك، تتحول بيئة العمل في ظل وجود رأسين إلى ساحة خفية أو علنية لصراع القوى وفرض “الأنا”. بدلاً من أن يكون الهدف الأسمى هو مصلحة العمل وتحقيق أهداف الشركة، يتقلص طموح المديرين إلى إثبات النفوذ والإجابة على سؤال واحد: “مَن كلمته ستسير في النهاية؟”. هذا الصراع يلتهم طاقة المؤسسة، ويتحول إلى حرب استنزاف للموارد البشرية والمالية دون أي إنتاجية حقيقية تذكر.
هذا التخبط الإداري يقود مباشرة إلى ما يُعرف بـ “الاحتراق الوظيفي” وتبديد الوقت. الموظفون المبدعون يجدون أنفسهم يستهلكون طاقتهم في إرضاء الأهواء الشخصية للمديرين وإعادة تعديل المشاريع مراراً وتكراراً لتناسب ذوق كل مدير على حدة، بدلاً من التركيز على جودة العمل نفسه. هذا الأمر يقتل روح الابتكار، ويدفع الكفاءات والكوادر المؤهلة إلى الهروب سريعاً من هذه السفينة المتهالكة بحثاً عن بيئة عمل أكثر استقراراً
ولإنقاذ أي “مركب” من الغرق ، يجب إعادة هيكلة الصلاحيات بشكل حاسم وقاطع. إذا كان وجود مديرين أمراً حتمياً نتيجة لطبيعة العمل المشترك، فلا بد من رسم حدود فاصلة وجدران عازلة بين التخصصات؛ كأن ينفرد أحدهم بالجانب التقني والفني، بينما يتولى الآخر الجانب المالي والإداري، بحيث لا يتداخل عملهما في القرارات اليومية التي تخص الموظف بشكل مباشر.
خلاصة القول إن القيادة ليست وجاهة اجتماعية أو صراعاً على دفة القيادة، بل هي مسؤولية جسيمة لتوجيه الجميع نحو بر الأمان. يجب أن يتفق المديرون خلف الأبواب المغلقة أولاً، ويخرجوا برؤية واحدة وصوت واحد أمام فريق العمل. وإذا لم يتنازل أحد القبطانين عن عجلة القيادة للآخر ويقبل بدور الموجه أو المستشار، فإن السفينة لن تتقدم خطوة واحدة، وسيكون مصيرها المحتوم هو الغرق .



