أقلام حره

مدحت الحلفاوي يكتب حين تتكلم الذاكرة بهدوء

ليست كل الذكريات تستعاد بصوت عال ولا كل المشاعر تفهم في لحظتها الأولى.
فهناك ما يظل ساكنا في الداخل حتى يأتي وقته بهدوء دون إعلان ودون طلب.
وحين تهدأ الحياة قليلا تبدأ الذاكرة في الكلام بطريقتها الخاصة لا لتعيد الماضي كما كان بل لتكشف كيف أصبح يرى من مسافة الزمن.
وفي هذا السياق يأتي هذا النص كتأمل في لحظة إدراك متأخرة لا تبحث عن حكم بل عن فهم أهدأ لما مر واستقر في الداخل دون ضجيج.
أحيانا لا تأتي المشاعر في شكل واضح بل في هيئة هادئة تشبه التذكر دون سبب كأن القلب يفتح نافذة صغيرة على إحساس قديم دون ان يسأل لماذا جاء.
وفي هذا السكون لا تطلب المعاني بقدر ما تترك الاشياء كما هي لان ما يهدأ في الداخل يرى بوضوح اكبر مما كان عليه في لحظة الضجيج.
لكن الذاكرة حين تستعاد من مسافة لا تعود بذات الهيئة الاولى اذ ان الزمن يضيف طبقة خفيفة على الفهم دون ان يلغي اصل الحكاية.
وفي احد الايام اثناء المرور بمكان مألوف تم استدعاء احساس قديم دون ان يتغير المشهد في الخارج وكأن شيئا داخليا فقط هو الذي اعاد ترتيب نفسه.
ومع ذلك لا ترى اللحظات دائما بنفس الصورة عند استرجاعها فبعض التفاصيل تبقى كما عاشت في وقتها الاول بينما يعاد تشكيل البعض الاخر بفعل المسافة لا بفعل النسيان.
لم يكن الميل الى اعادة ترتيب ما مضى حاضرا بل كان يترك لكل تجربة مكانها كما هي دون محاولة لتغيير ملامحها او تفسيرها من جديد.
لكن يفهم ايضا ان ترك الاشياء في الذاكرة لا يعني بالضرورة ثباتها في الوعي فالرؤية تتغير مع الزمن حتى وان بقيت الحقيقة في جوهرها كما هي.
وقد تم ادراك ان بعض المشاعر لا تفقد قيمتها حين تتاخر بل يتبدل فقط شكل حضورها من وضوح مباشر الى اثر هادئ لا يحتاج الى اعلان.
وفي الداخل وجد نوع من السلام لا يشبه النسيان بل يشبه الفهم حين يصل في وقت لم يعد فيه محتاجا الى اثبات او جدال.
ولعل ما يحدث ليس اختلافا في الحقيقة بقدر ما هو اختلاف في زاوية النظر اذ ان المسافة بين الحدث وقراءته كفيلة بتغيير شكل الادراك دون ان تنفي اصل الشعور.
لم ينتظر ما لم يات ولم يلتفت كثيرا الى ما لم يكتمل لان ما يستقر في القلب لا يقاس بزمن الوصول بل بطريقة بقائه.
وفي لحظة هادئة تم الوصول الى ادراك مختلف لم يعلن كاكتساب او كخسارة بل كفهم جعل ما كان اثقل يبدو اخف في الذاكرة.
ثم استقر كل شيء في صمت لا يحتاج الى تفسير وفي حضور لا يطلب صوتا وكأن الاكتمال الحقيقي لا يكون في العودة بل في التصالح مع ما كان.
وفي النهاية لم تعد الحكاية تطلب مكتملة بقدر ما تم فهمها كحالة تحتاج الى هدوء يضع كل شيء في موضعه دون ضجيج.
بعض الاشياء لا تنتهي بل تهدا فقط وتتحول الى معنى يعيش في الداخل بصمت لا يطلب اعترافا.
اللهم اجعل القلوب ترى الحق في وقته ولا تدرك المعنى بعد فواته.
اللهم ارزق بصيرة لا تتاخر ورحمة لا تغيب ونورا يسبق الندم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock