
مدحت الحلفاوي يكتب: ندم الغفلة في خديعة المشهد نص تأملي عن الغفلة
حين تلمع الصورة ويغيب المعنى حتى تأتي الحقيقة متأخرة وتكسر كل ما ظنناه يقينا. هذا النص ليس احتفاء بصورة بطل بقدر ما هو محاكمة لها حين تتأخر الحقيقة. خديعة الكاريزما تلك اللعنة الانيقة التي تجعل العالم يصفق لبطل يظن انه يمتلك الارض ومن عليها بينما هو في الحقيقة غارق في عسل الوهم. ما اصعب ان تعيش حياتك كفيلم سينمائي يراك الجمهور فيه فارسا لا يقهر وتراك الالوف محورا للكون.. بينما الحقيقة المرة تهمس في اذنك من بعيد انت لست بطلا انت مجرد غافل مبهور بضجيج المصفقين غافل عن الروح الوحيدة التي كانت تراك وطنا فجعلتها انت مجرد محطة على طريق مجدك الزائف. في رواياتنا التي نؤلفها لانفسنا نلعب دور هارون الرشيد الذي تخطفه الاضواء وتسكره كاريزما الخطاف التي يمتلكها نمضي في طرقات الزهو نطارد بريقا رخيصا يختفي في ليلة وضحاها ونترك خلفنا ملاكا يراقب في صمت ووقار. بطلة القصة الحقيقية لم تكن تلك التي امتلكت بطلنا بادوات التملك الزائلة بل كانت هي العين الساهرة التي تراه على حقيقته وتراقب انكساره خلف قناع القوة وتحذره بحدة المحب من السقوط في الهاوية لكن البطل كان اصم لا يسمع الا صدى تصفيق الجماهير. ان جريمة هذا البطل لم تكن طعنة غدر بل كانت جريمة غفلة مكتملة الاركان لقد ظلمها حين ظن ان وجودها حق مكتسب وظلمها حين لم يدرك ان دلالها الاخير كان رسالة وداع مشفرة لقد استمر في دور البطل الجذاب حتى اسدل الستار فجاة وانطفات الانوار واكتشف في لحظة الفقد القاتلة انه لم يكن سوى مجرم في حق انقى القلوب. مجرم لم يقصد الاذى لكنه اقترفه ببرود الغافلين. واليوم يسير البطل وحيدا في محراب ذكراها يقاسي الما لا يعرفه الا من استيقظ بعد فوات الاوان يكتب بمرارة ويحيا على انقاض ذكرى مكالمة لم تكتمل وصورة ملاك رحل وفي قلبه عتاب لم ينطق. إن اقصى درجات الوجع هي ان يعيش البطل بقية حياته يكفر عن ظلم لم يقصده لكنه وقع ليظل الجمهور يصفق لصدق مشاعره المتأخرة بينما يظل هو يحتقر بداخله ذاك البطل القديم الذي اضاع الجنة وهو يظن انه يمتلك العالم. ان الدرس الاكثر قسوة الذي تعلمه البطل هو ان الاعتذار للموتى لا يصل بالكلمات مهما بلغت قوتها بل يصل بالاحتراق شوقا في صمت. لقد ادرك ان كل سطور الرثاء التي يكتبها الان ليست الا محاولة بائسة لترميم روح تحطمت حين كانت تطلب الامان ولم تجده. إن البطولة الحقيقية يا سادة هي ان تدركوا قيمة الملاك الذي يسكن بيوتكم قبل ان يتحول الى مجرد صورة معلقة على جدار الذاكرة وقبل ان تكتشفوا ان كل تصفيق العالم لا يعادل لمسة حانية من يد كانت تملك مفاتيح جنتكم فاهملتموها حتى ضاعت. اللهم اغفر لروح طاهرة كانت في حياتنا نورا ولم ندرك قيمتها إلا بعد انطفائه. وهكذا انتهت الحكاية في داخله إلى ما يشبه الانكسار الكامل. اللهم أنزل على قبرها شآبيب رحمتك وعفوك واجعل مسكنها الفردوس الأعلى من الجنة. اللهم تجاوز عن تقصيرنا في حقها واجمعنا بها في مستقر رحمتك حيث لا فراق ولا ندم ولا أحزان… اللهم آمين.



