
نار فى القارة البيضاء
قصه قصيره تاليف دعاء الهلالى
وُلِدَتْ “ليان” في مدينةٍ كنديةٍ يغمرها الثلج معظم أيام العام، حتى بدا لها العالم منذ طفولتها أبيضَ باردًا بلا دفء.
كانت تنظر من نافذة غرفتها الصغيرة إلى الطرقات المكسوّة بالجليد، وتشعر أن البرودة لم تكن في الطقس وحده، بل في قلب الحياة نفسها. لم تعرف حضنًا طويلًا، ولا كلماتٍ دافئة تُقال لطفلةٍ تخاف الليل والصمت.
وحين بلغت العاشرة، أرسلها والدها إلى مدرسة راهبات داخلية في ولايةٍ بعيدة.
كانت المدرسة عظيمة الجدران، باردة الممرات، تُوقظ البنات قبل الفجر، وتُطفئ الأنوار قبل أن تنتهي أحلامهن الصغيرة.
كبرت ليان هناك وهي تتعلّم الانضباط والصبر، لكنها كانت تخفي تحت وسادتها رسائل كثيرة كتبتها لأمها ولم تُرسلها أبدًا.
مرّت السنوات، وعادت إلى وطنها شابةً جميلة الملامح، لكنها كانت تشعر بالغربة وسط أهلها أكثر من غربتها في البلاد البعيدة.
كان والدها رجلًا صارمًا، يرى أن القسوة تصنع البشر الأقوياء. لم يحتضنها يومًا، ولم يقل لها إنه فخور بها، حتى حين كانت تنجح وتتفوق.
كانت تقف أمامه دائمًا كجنديةٍ تنتظر أمرًا جديدًا، لا كابنةٍ تنتظر حبًا.
ثم زوّجها من رجلٍ اختاره بنفسه.
رجلٍ محترم… لكنه لم يكن الرجل الذي تمنّت قلبها أن يلقاه.
عاشت معه حياةً هادئةً من الخارج، لكنها جافة من الداخل؛ بيتٌ مرتب، ومائدة طعامٍ كاملة، وأحاديث قصيرة بلا روح.
كانت تؤدي واجباتها كأنها آلةٌ لا تتعب، وتنام كل ليلة وهي تشعر أن شيئًا ما في داخلها يموت ببطء.
لكن ليان لم تستسلم.
كانت تنحت في الصخر لتنجح، تعمل ليلًا ونهارًا، تبني اسمًا ومكانةً ومستقبلًا لأطفالها.
كانت تقول في سرّها:
“إن لم أستطع أن أترك لهم قلبًا سعيدًا… فسأترك لهم اسمًا يرفع رؤوسهم.”
ومع السنوات، صار اسمها معروفًا، وصارت مثالًا للمرأة القوية التي لا تنكسر.
لكن أحدًا لم يكن يعرف حجم الوحدة التي تسكنها.
وفي أواخر عمرها… حدث ما لم تتوقعه.
التقت رجلًا نظر إليها كما لو أنه يرى روحها لأول مرة، لا صورتها.
كان يصغي لحديثها الطويل دون ملل، ويضحك من قلبه حين تضحك، ويعامل حزنها كشيءٍ ثمين لا يجب الاستهانة به.
للمرة الأولى شعرت ليان أن قلبها حي.
وللمرة الأولى أيضًا… خافت.
وفي ذروة ذلك الحب، أخبرها الأطباء أن السرطان يسكن جسدها، وأن أيامها أصبحت معدودة.
خرجت من المستشفى يومها تحت المطر، تبتسم وتبكي في آنٍ واحد.
أدركت أن الحياة منحتها الحب أخيرًا… لكنها منحته لها متأخرًا.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد تخاف الموت بقدر ما خافت أن تترك الذين أحبتهم.
كانت تخفي ألمها خلف ابتسامتها، وتكتب رسائل طويلة لأولادها، توصِيهم فيها ألّا يعيشوا بقلوبٍ باردة كما عاشت هي.
وقبل رحيلها بأيام، جلست أمام المرآة تتأمل وجهها المتعب، ثم همست بصوتٍ هادئ:
“قضيت عمري أبحث عن الدفء…
وحين وجدته، عرفت أن الوقت انتهى.”
ورحلت ليان تاركةً خلفها اسمًا يفتخر به أبناؤها، وقصة امرأةٍ قاومت القسوة، وعاشت عمرها كله تتعلّم كيف تُحب… قبل أن تودّع الحياة بقليل.



