أقلام حره

مدحت الحلفاوي يكتب: أشرعة الوفاء.. وصية زنوبيا المغربي

لم تكن زنوبيا المغربي مجرد اسم يكتب تحت القصائد بل كانت روحا تعرف كيف تحول الوجع إلى نور وكيف تجعل من الحرف وطنا للوفاء والمحبة.
وحين تركت كلماتها الأخيرة قبل الرحيل بدت وكأنها كانت تودع الدنيا بأشرعة من حب خالص لا تعرف الكراهية ولا تحمل سوى الصفاء.
ستظل كلماتك يا زنوبيا شاهدة على أن الأرواح النبيلة لا تموت وأن أصحاب القلوب الصادقة يبقون أحياء في ذاكرة من عرفهم ولو غابوا عن العيون
رحمك الله رحمة واسعة وجعل كل حرف كتبته نورا ورفعة لك في جنات الخلد.
وتعود بنا الذاكرة إلى كلماتها الأخيرة التي كانت أشبه بوصية روح….
​حين تصبح الكلمات.. أنفاساً أخيرة…..
​في حياة كل منا لحظة يتوقف فيها الزمن ليحل محله ‘الخلود’. تلك اللحظة كانت في السابع عشر من أكتوبر 2016 حين قررت روح طاهرة أن تغادر عالمنا لكنها أبت أن ترحل قبل أن تودع (ضمير الكتابة) أمانتها الكبرى.
لم تكن تكتب شعراً لتزجية الوقت بل كانت تنفث أنفاسها الأخيرة في حروف تحولت إلى أشرعة ومراكب نجاة فهي بذلك تمنح الكلمة قدسية النجاة فالقصيدة في يقينها ليست غاية جمالية بل هي الوعاء الوحيد الذي لا يغرق ولا يبلى والقادر على حمل الوجع بعيداً عن شواطئ اليأس الساكنة.
​ومن عمق ذلك اليقين صاغت بمداد الروح:
“ومن كلمات.. العشق .. أشرعة لا تسرب.. إلا الحب..”.
وهنا يكمن الإعجاز الروحي لنفس صفت حتى لم يعد يمر من خلالها إلا النور رافضة أن تلوث مركبها بذرة من عتاب أو مرارة فجاءت أشرعتها استثنائية ترفض التسريب ولا تقبل إلا بالحب الصافي وقوداً لرحلتها وبرغم كل ما لاقته من أمواج الحياة العاتية.
​وفي ذروة التخلي عن قيود الأرض تأتي لحظة الحسم حين قالت:
“وأغامر بقوة .. الإقلاع .. والإبحار ..”.
وهي اللحظة التي تغلبت فيها تلك الروح على جاذبية الذكريات واختارت اقتحام المجهول بشجاعة الربان الذي لا ينظر خلفه.. ثم تختم وصيتها بإصرار لا يلين:
“أشق الأمواج.. وأفتش عن الأفق.. في كل اتجاه..”.
إن هذا الشق للأمواج هو المواجهة الصريحة للصعاب بصدور عارية والبحث عن الأفق هو إعلان التحرر المطلق فبعد أن سقطت القشور والألقاب والجاه المستعار أصبح الكون كله محراباً لتلك النفس الطاهرة والبحث عن المعنى غاية لا تحدها حدود.
​رحم الله “زنوبيا المغربي” الأيقونة التي علمتنا في عام 2016 كيف يتحول الوجع إلى أشرعة وكيف يصبح الوفاء بوصلة لا تخطئ الأفق.
لقد سقطت الخواتم وانكسر بريق المظاهر وبقيت تلك الكلمات حقيقة وحيدة باقية تذكرنا بأن الأرواح التي لا تعرف إلا الحب هي وحدها التي تملك قوة الإبحار في كل اتجاه لتظل ذكراها سراً جميلاً وتمجيداً لزمن النبل الذي لا يرحل برحيل الأجساد.
أمانة الروح لبارئها:
​إلى تلك الروح التي أهدتنا “أشرعة الحب” في أصعب الساعات نرفع أكف الضراعة:
اللهم يا حنان يا منان يا واسع الغفران اجعل هذه الكلمات الطاهرة التي تركتها “زنوبيا” شفيعة لها ونوراً في قبرها.
اللهم آنس وحشتها وارحم غربتها واجعل من صبرها على البلاء ومحافظتها على الود رفعة لها في درجات الجنان.
اللهم أسكنها الفردوس الأعلى مع الصديقين والشهداء واجعل مآلها إلى روح وريحان ورب راض غير غضبان.
​لقد أبحرت مراكبك يا “زنوبيا” نحو الأفق الأبدي لكن أشرعتك لا تزال تظلل قلوبنا بالحب والنقاء. نامي في سلام فما ضاع عهد أنتي صاحبته وما ذبل حرف أنتى نبضه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock