أقلام حره

من يحمي العرب إذا لم تكن مصر؟

بقلم الدكتورة مايسة خليل حسن
المدير التنفيذي لمركز الرؤية للدراسات السياسية والاستراتيجية

في مشهد إقليمي متوتر وغير مسبوق، تسارعت التحركات المصرية خلال الأيام الماضية لتضع البلاد في موقع القلب النابض للأمن القومي العربي. فبين الكشف العلني عن “مفرزة المقاتلات المصرية” المتمركزة في الإمارات، والزيارة الخليجية الثانية للرئيس عبد الفتاح السيسي خلال شهرين فقط، والرسائل السياسية الحاسمة التي أعلنت أن “ما يمس الإمارات يمس مصر”، ترسم القاهرة معادلة جديدة. فعندما تشتعل المنطقة، يكون المصريون في المقدمة. وعندما يتردد الآخرون، تكون مصر هي الثابت الوحيد.

ثلاث رسائل استراتيجية حملها الكشف العلني عن المقاتلات المصرية على أرض الإمارات. الأولى، تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والإمارات، لتتحول مقولة “ما يمس الإمارات يمس مصر” من شعار إلى عقيدة أمنية مطبقة. الثانية، رسالة ردع مباشرة إلى إيران مفادها أن أي اعتداء على أي دولة عربية سيواجه برد مصري حاسم، ليس تهديداً نظرياً، بل إعلان عن قدرة وجاهزية. الثالثة، تقديم نموذج “الدولة الوطنية القوية” الذي أعادت مصر بناءه، لتقف به اليوم لحماية الأمن العربي المشترك بأكمله. هذه الرسائل هي ترجمة عملية لاستراتيجية رئاسية واضحة تقوم على بناء الدولة القوية، وتوطين الأمن المصري في عمقه الخليجي، والانتقال من متلقٍ إلى شريك فاعل.

ما تقدمه مصر اليوم لا يمكن فهمه بمعزل عن المخاض العسير الذي يمر به النظام الدولي. فالعالم يشهد ولادة نظام جديد، لم تتضح ملامحه بعد، لكن المؤكد أن القطب الواحد قد انتهى، وأن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على إدارة العالم منفردة، وأن التحالفات لم تعد ثابتة بل سائلة ومتغيرة. في هذا الفراغ الجيوسي، تتنافس القوى الكبرى على ملء الفراغ، وتتصارع المشاريع الإقليمية، وتتسارع خطوات إعادة الترتيب. في هذا السياق، تقدم مصر نفسها كلاعب مختلف. لم تعد تنتظر دورها في النظام الجديد، بل تسعى للمشاركة في كتابة قواعده. إنها تدرك أن اللحظة الراهنة هي لحظة فرصة تاريخية، قد لا تتكرر، لإعادة تعريف موقعها ليس فقط كدولة إقليمية قوية، بل كنقطة ارتكاز في أي ترتيبات دولية مقبلة.

ما تفعله مصر اليوم في الخليج هو جزء من مشروع أكبر: إعادة تعريف مفهوم “العمق الاستراتيجي”. فمصر لم تعد تنظر إلى الخليج كعمق عربي فقط، بل كعمق أمني واقتصادي مشترك، وكساحة للدفاع المشترك. وفي المقابل، بدأت دول الخليج تنظر إلى مصر ليس كدولة عربية فقط، بل كقوة عظمى إقليمية قادرة على حمايتها في غياب الضمانات الغربية. هذا التقارب يأتي في توقيت تتغير فيه ولاءات وتحالفات القوى الكبرى. أمريكا التي كانت حامي الخليج الأول، باتت أقل حماساً للتدخل العسكري المباشر، وأكثر انشغالاً بمنافستها مع الصين. والصين التي ترى الخليج مصدراً لطاقتها، لا تزال بعيدة عن تقديم ضمانات أمنية. وأوروبا التي تعتمد على طاقة المنطقة، تعاني من انقسامات داخلية وتحديات حدودية. في هذا الفراغ، يصبح التحالف مع دولة مثل مصر، تمتلك جيشاً قوياً وموقعاً فريداً وقدرة على التحرك، خياراً استراتيجياً وليس ترفاً.

عند قراءة التحركات المصرية في هذا السياق، يمكن تصور أربعة سيناريوهات لمستقبل الدور المصري. الأول، سيناريو استمرار الردع والشراكة، حيث تواصل مصر بناء قدراتها، وتتعمق شراكاتها الإقليمية، وتتحول إلى لاعب أساسي في أي معادلة أمنية، مع الحفاظ على توازناتها مع القوى الكبرى. والثاني، سيناريو التوسع في القيادة الإقليمية، حيث تتجاوز مصر دور الشريك القوي إلى القائد الإقليمي، ويصبح لها حق نقض غير معلن على أي تسوية كبرى. أما الثالث، سيناريو التحدي والإرهاق، حيث تتعرض القدرة المصرية لضغوط متزايدة نتيجة استمرار الأزمات وتأخر التعافي الاقتصادي، وتجد مصر نفسها مضطرة للاختيار بين تحالفات متعارضة. بينما الرابع، سيناريو التحول في قواعد اللعبة، حيث تنجح مصر في إعادة تعريف قواعد النظام الإقليمي بالكامل، ليصبح النموذج المصري مرجعية إقليمية. ويبقى السيناريو الأول هو الأكثر ترجيحاً حالياً، مع بوادر من الثاني، بينما يبقى الثالث احتمالاً قائماً إذا طالت الأزمة.

إن ما تفعله مصر اليوم ليس رد فعل على أزمة عابرة، بل تتويج لرحلة إعادة بناء امتدت لأكثر من عقد. منذ عام 2014، اختارت القيادة المصرية طريقاً مختلفاً: إعادة تأسيس الدولة على أسس صلبة. في ليبيا، أثبتت قدرتها على حماية حدودها الغربية. في سيناء، حاربت الإرهاب وأثبتت أن المنطقة التي كان البعض يعتبرها خارج السيطرة يمكن تطهيرها. في غزة، أثبتت أنها الوسيط الوحيد القادر على إيقاف الحروب. في الخليج اليوم، تضع مصر كل هذه الخبرات المتراكمة في خدمة الأمن العربي المشترك. القاهرة أثبتت أنها القوة الأكثر استقراراً، والأكثر قدرة على إدارة الفوضى. صنعت القيادة المصرية لنفسها حضوراً لا يمكن تجاوزه، ليس بالقوة وحدها، بل بجعله حاجة حقيقية للجميع. لم يعد أي طرف يستطيع تجاهل القاهرة. الرسالة النهائية واضحة وحاسمة: لن تمر أي ترتيبات أمنية في المنطقة دون موافقة مصرية. فمن يحمي العرب إذا لم تكن مصر؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock