
نهال الشافعى تكتب : تصريح مزاولة المهنة.. حين يصبح الطريق إلى الشاشة أسهل من استحقاق صفة الإعلامي
بين التنظيم القانوني والاستحقاق المهني.. هل تحولت التصاريح المؤقتة إلى مسار موازٍ يهدد قيمة الانتماء إلى نقابة الإعلاميين؟
بقلم /الإعلامية نهال الشافعي والباحثة في الشئون السياسية والاستراتيجية
لم تعد القضية تتعلق بمجرد تنظيم الظهور على الشاشات أو وضع ضوابط لممارسة العمل الإعلامي، وإنما أصبحت تطرح تساؤلًا أكثر عمقًا حول هوية المهنة ومعايير الانتماء إليها: هل كل من يستطيع إنتاج برنامج تلفزيوني أو تمويل مساحة إعلامية يصبح مؤهلًا لاكتساب صفة الإعلامي؟ وهل يكفي الحصول على تصريح مزاولة المهنة ليصبح الشخص مستحقًا للظهور أمام الجمهور باعتباره ممارسًا للعمل الإعلامي؟
هذه التساؤلات لا تستهدف الاعتراض على التنظيم القانوني للمهنة، ولا تنطلق من رغبة في احتكار المجال الإعلامي لصالح فئة بعينها، وإنما تعكس ضرورة التمييز بين حق ممارسة نشاط إعلامي وفقًا للقانون، وبين الاستحقاق المهني الذي يجب أن يستند إلى التأهيل والخبرة والكفاءة والالتزام بأصول العمل الإعلامي.
فالمشكلة ليست في وجود تصريح مؤقت، وإنما في المعايير التي تحكم منحه، ومدى ضمان ألا يتحول من أداة لتنظيم الممارسة إلى مسار سهل لاكتساب صفة إعلامي دون استيفاء متطلبات الكفاءة المهنية.
التصريح المؤقت ليس عضوية نقابية.. لكن هل أصبح طريقًا بديلًا إليها؟
حدد القانون رقم 93 لسنة 2016 بشأن نقابة الإعلاميين الإطار القانوني لممارسة النشاط الإعلامي، ونصت المادة الثانية على عدم جواز ممارسة النشاط الإعلامي إلا للمقيدين بالنقابة أو الحاصلين على تصريح مؤقت وفقًا لأحكام القانون.
كما نصت المادة الثانية عشرة على إنشاء سجل للتصاريح المؤقتة، مع إحالة تحديد حالات منحها وقواعدها وإجراءاتها ومدتها وتجديدها وإلغائها إلى اللائحة الداخلية.
ومن ثم، لا خلاف على أن التصريح المؤقت له أساس قانوني، وأنه يختلف في طبيعته عن العضوية النقابية. لكن السؤال الذي يستحق المناقشة هو: هل تظل هذه التصاريح محكومة بفلسفتها التنظيمية وشروطها المهنية، أم تتحول في التطبيق إلى مسار واسع يسمح بممارسة العمل الإعلامي دون تحقق كافٍ من التأهيل والخبرة؟
فالفرق كبير بين السماح لشخص بممارسة نشاط إعلامي محدد وفق ضوابط معلومة، وبين أن يصبح التصريح بوابة لاكتساب حضور مهني مستمر دون معايير واضحة تقيس مدى استحقاق صاحبه لهذه الصفة.
وهنا تقع مسؤولية النقابة في توضيح فلسفة التصريح، وضمان عدم استخدامه باعتباره بديلًا عن المسار المهني المنظم، أو وسيلة لتجاوز المعايير التي تحكم الانضمام إلى المؤسسة النقابية.
هل أصبح امتلاك المال طريقًا إلى صفة الإعلامي؟
تتجلى الإشكالية بصورة أوضح مع انتشار نماذج إنتاج البرامج التي تسمح لبعض الأشخاص بتمويل برامجهم أو شراء مساحات بث على القنوات الفضائية الخاصة، ثم الظهور أمام الجمهور في موقع مقدم البرنامج.
وهنا يجب التمييز بين ثلاثة أدوار لا ينبغي الخلط بينها: المستثمر الذي يمول الإنتاج، والمتخصص الذي يقدم خبرته ومعرفته في مجال معين، والإعلامي الذي يمارس عملًا مهنيًا يتطلب أدوات الإعداد والتحرير وإدارة الحوار والتحقق من المعلومات والالتزام بالمسؤولية الإعلامية.
فليس كل منتج إعلاميًا، وليس كل خبير متخصص إعلاميًا بالضرورة، كما أن امتلاك القدرة المالية على إنتاج برنامج لا يمثل دليلًا على امتلاك الكفاءة المهنية لتقديمه.
ولا يعني ذلك إقصاء أصحاب التخصصات الأخرى؛ فالإعلام يحتاج إلى الاقتصادي والطبيب والسياسي والقانوني والباحث، ويستفيد من تعدد الخبرات والخلفيات العلمية. لكن الاستعانة بالمتخصصين شيء، ومنح صفة الممارس الإعلامي شيء آخر، ولكل منهما ضوابطه ومتطلباته.
إن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تصبح القدرة على تمويل البرنامج أو توفير المساحة الإعلانية وسيلة للعبور إلى الشاشة، ثم تتحول هذه المساحة إلى مدخل لاكتساب صفة إعلامية دون تقييم مهني جاد.
وبذلك تختلط الكفاءة بالقدرة على الإنفاق، ويجد أصحاب الخبرة والتأهيل أنفسهم أمام منافسة لا تقوم بالضرورة على جودة الأداء أو الاستحقاق المهني.
مسؤولية النقابة ليست إصدار التصاريح فقط
النقابة المهنية ليست مجرد جهة إدارية تتلقى الطلبات وتستوفي المستندات، وإنما مؤسسة يفترض أن تكون حارسة لمعايير المهنة وحامية لحقوق المشتغلين بها.
ومن ثم، فإن مسؤوليتها لا تنتهي عند التأكد من اكتمال الأوراق، بل تمتد إلى التأكد من طبيعة النشاط الذي سيؤديه طالب التصريح، ومدى امتلاكه التأهيل والخبرة المناسبين، والتزامه بالمعايير المهنية التي تفرضها طبيعة العمل الإعلامي.
وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات واضحة:
ما المعايير المهنية التي يتم على أساسها منح التصريح؟ وهل يخضع المتقدم لتقييم حقيقي لقدراته؟ وما الضمانات التي تمنع تحول التصريح المؤقت إلى اعتماد مفتوح للممارسة الإعلامية؟ وكيف تتابع النقابة مدى التزام الحاصلين على التصاريح بشروطها؟
إن إعلان هذه المعايير ليس مجرد مطلب تنظيمي، وإنما ضرورة لحماية مصداقية النقابة نفسها، والحفاظ على الفارق بين من استحق الانتماء المهني عبر التأهيل والخبرة، ومن حصل على إذن بممارسة نشاط محدد وفقًا للقانون.
كما أن حماية المهنة لا تعني قصرها على خريجي كليات الإعلام وحدهم، وإنما تعني وضع معايير عادلة وموضوعية لا تساوي بين الجميع دون اعتبار للكفاءة والخبرة والتأهيل.
بيع الهواء وتداخل المصالح التجارية مع الممارسة الإعلامية
لا يمكن فصل هذه القضية عن ظاهرة بيع الهواء وبرامج الإنتاج المشترك، التي تكشف عن تداخل متزايد بين المصالح التجارية والوظيفة الإعلامية.
فالإعلام نشاط يمكن الاستثمار فيه، لكن الاستثمار لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن المعايير المهنية، ولا أن تصبح الشاشة مساحة متاحة لمن يستطيع شراء وقت البث دون اعتبار كافٍ لكفاءة من يتولى مخاطبة الجمهور.
وفي هذا السياق، تكتسب تحركات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لمراجعة عقود برامج الإنتاج المشترك وتصاريح الظهور الإعلامي أهمية خاصة، في إطار مواجهة ظاهرة بيع الهواء.
فالحصول على تصريح مزاولة المهنة لا ينبغي أن يكون نهاية عملية التقييم، كما أن وجود عقد إنتاج أو مساحة بث لا يمنح مقدم البرنامج حصانة من المراجعة المهنية والتنظيمية.
وهذا يستدعي تنسيقًا فعالًا بين نقابة الإعلاميين والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بحيث تتكامل مسؤولية تنظيم الممارسة المهنية مع مسؤولية ضبط المؤسسات والبرامج والمحتوى الإعلامي، وتظل المصالح التجارية خاضعة للضوابط التي تحمي الوظيفة الإعلامية.
المطلوب ليس إلغاء التصريح.. وإنما منع إساءة استخدامه
إن معالجة هذه الإشكالية لا تكون برفض التصاريح من حيث المبدأ، ولا بإغلاق المجال أمام الكفاءات الجديدة، وإنما بإعادة التأكيد على الغرض الذي أنشئت من أجله، وضمان عدم تحولها إلى وسيلة لتجاوز معايير المهنة.
ويتطلب ذلك مراجعة ضوابط منح التصاريح وتجديدها، وإعلان المعايير المهنية بصورة شفافة، وتحديد نطاق الممارسة التي يسمح بها كل تصريح، وإجراء تقييم حقيقي للخبرة والكفاءة، إلى جانب الرقابة الدورية على مدى الالتزام بالشروط.
كما ينبغي الفصل بوضوح بين الاستثمار في الإنتاج الإعلامي وبين ممارسة العمل الإعلامي، بحيث لا يصبح تمويل البرنامج أو شراء مساحة بث معيارًا غير معلن للحصول على صفة إعلامي.
ومن الضروري أيضًا إتاحة بيانات عامة عن أعداد التصاريح ومجالاتها وضوابط منحها وتجديدها، بما يعزز الشفافية ويتيح تقييم مدى تحقيق المنظومة لأهدافها.
من يحمي قيمة لقب الإعلامي؟
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه مهنة الإعلام ليس دخول أصحاب تخصصات وخبرات متنوعة إليها، وإنما غياب المعايير التي تميز الممارس المؤهل عن غيره، وتحول الصفة المهنية إلى مجرد لقب يرتبط بالظهور على الشاشة أو امتلاك القدرة على إنتاج برنامج.
فالإعلام ليس كاميرا وميكروفونًا ومساحة بث، وليس لقبًا يمكن اكتسابه بالقدرة المالية، وإنما مهنة تقوم على المعرفة والأدوات المهنية والخبرة والمسؤولية تجاه المجتمع.
ومن حق الإعلاميين الذين قضوا سنوات في الدراسة والتدريب والعمل أن يجدوا مؤسسة تحمي قيمة تخصصهم وخبراتهم، ومن حق الجمهور أن يعرف أن من يخاطبه عبر الشاشة يمتلك الحد الأدنى من الكفاءة التي تتناسب مع المسؤولية التي يتولاها.
لسنا ضد تنظيم المهنة، بل ضد إفراغ التنظيم من مضمونه. ولسنا ضد الانفتاح على الكفاءات، بل ضد تحويل التصريح إلى طريق مختصر لتجاوز الاستحقاق المهني. ولسنا ضد الاستثمار في الإعلام، بل ضد أن يصبح المال بديلًا عن الكفاءة.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه نقابة الإعلاميين بوضوح: ما الضمانات التي تكفل ألا يتحول التصريح المؤقت من أداة لتنظيم الممارسة الإعلامية إلى مسار موازٍ يتيح اكتساب الصفة المهنية دون استيفاء معاييرها؟
فالمهنة لا يحميها عدد التصاريح الصادرة، وإنما تحميها قيمة المعايير التي تمنح على أساسها، والقدرة على تطبيقها على الجميع دون استثناء.



