
من عقلية الضحية إلى مسؤولية الاختيار
بقلم الكاتبة والمدربة دعاء وجيه مقابلة
في مرحلة من حياتي كنت أعود كثيرا إلى كل ما حدث معي… إلى المواقف التي أوجعتني والأشخاص الذين خذلوني والمرات التي حاولت فيها أن أبدو بخير بينما كان بداخلي الكثير من التعب الذي لا يعرف عنه أحد شيئا.
كنت أسأل نفسي لماذا حدث كل هذا معي… ولماذا كنت أحاول دائما أن أكون قوية حتى في اللحظات التي كنت فيها بحاجة إلى من يطمئن قلبي ويخبرني أنني لست مضطرة إلى تحمل كل شيء وحدي.
ومع مرور الوقت بدأت أفهم أن الوجع لا ينتهي دائما بانتهاء الموقف… فبعض التجارب تبقى معنا وتؤثر في نظرتنا إلى أنفسنا وفي طريقة تعاملنا مع الآخرين وحتى في القرارات التي نتخذها ونحن نظن أننا تجاوزنا ما حدث.
لقد أدركت أن الإنسان قد يخرج من التجربة بجسده لكنه يبقى أسيرا لها بأفكاره ومخاوفه وردود أفعاله.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي… إلى متى سنبقى نعيش تحت تأثير ما حدث لنا؟ وإلى متى سنسمح للماضي بأن يحدد شكل حاضرنا ومستقبلنا؟
لا أكتب هذا الكلام لأنني أعتقد أن تجاوز الألم أمر سهل… ولا لأنني أرى أن الإنسان مسؤول عن كل ما يتعرض له من خذلان أو ظلم. فهناك أشياء لم نخترها وهناك مواقف لم نكن نستحقها وهناك أشخاص تركوا في داخلنا أثرا لم يكن من السهل تجاوزه.
لكنني تعلمت أن هناك فرقا كبيرا بين أن نعترف بأننا تعرضنا للأذى وبين أن نجعل هذا الأذى سببا يمنعنا من مواصلة حياتنا.
فليس من الخطأ أن نحزن وليس من الضعف أن نعترف بأننا تألمنا… لكن الخطأ أن نظل ننتظر من الأشخاص الذين أوجعونا أن يمنحونا الإذن لنعيش من جديد.
قد ننتظر اعتذارا لا يأتي وقد ننتظر اعترافا لن نسمعه وقد نقضي وقتا طويلا نحاول أن نجعل الآخرين يفهمون حجم الألم الذي تسببوا فيه لنا… بينما نحن في الحقيقة بحاجة إلى أن نمنح أنفسنا فرصة للراحة والتعافي.
ومع الوقت نفهم أن بعض الأسئلة لن نجد لها إجابات وأن بعض النهايات لن تمنحنا التفسير الذي نبحث عنه وأن السلام لا ينبغي أن يبقى معلقا على تصرفات الآخرين.
ومن هنا تبدأ مسؤولية الاختيار.
أن أختار ألا أسمح لما حدث في الماضي بأن يسلبني قدرتي على بناء مستقبل مختلف… وأن أتعلم من التجارب بدلا من أن أعيش أسيرة لها… وأن أراجع قراراتي بصدق دون أن أحمل نفسي مسؤولية أخطاء لم أرتكبها.
أن أفهم أن الطيبة لا تعني أن أتنازل عن نفسي وأن الحب لا يبرر إهمال كرامتي وأن الصبر لا يعني أن أبقى في مكان يستنزف روحي لمجرد أنني اعتدت البقاء فيه.
لقد أصبحت أؤمن أن الوعي الحقيقي لا يبدأ عندما نكتشف أخطاء الآخرين فقط… بل عندما نمتلك الشجاعة لننظر إلى أنفسنا ونسألها عما تحتاج إلى تغييره.
ليس بهدف لوم أنفسنا على ما مضى… بل بهدف ألا نكرر الألم نفسه ونحن نملك القدرة على اتخاذ قرار مختلف.
فأنا لا أستطيع تغيير ما حدث لي ولا أستطيع إعادة الزمن لأتصرف بطريقة أخرى… لكنني أستطيع أن أتعلم وأن أضع حدودا وأن أختار ما يناسبني وأن أتوقف عن منح الماضي سلطة أكبر من حجمه في حياتي.
وهذا لا يعني أنني تجاوزت كل شيء أو أنني أصبحت أقوى من الألم في كل الأوقات… بل يعني أنني بدأت أفهم نفسي بصورة أعمق وأنني لم أعد أريد أن أقضي ما تبقى من عمري في محاولة فهم ما حدث فقط دون أن أفكر فيما أستطيع فعله الآن.
فالحياة لا تتوقف عند تجربة مؤلمة ولا تنتهي عند شخص خذلنا ولا تفقد قيمتها لأن بعض الطرق لم تصل بنا إلى المكان الذي تمنيناه.
أحيانا تكون البداية الحقيقية هي اللحظة التي نتوقف فيها عن انتظار أن يتغير كل شيء من حولنا ونبدأ بتغيير ما نستطيع تغييره في داخلنا وفي قراراتنا وفي الطريقة التي نعامل بها أنفسنا.
لسنا مسؤولين عن كل ما حدث لنا… لكننا نستطيع أن نتحمل مسؤولية ما نختاره بعده.
وهذه الفكرة لم أعد أراها مجرد كلمات جميلة نقرأها ثم نمضي… بل أصبحت بالنسبة إلي تذكيرا بأنني أستحق أن أعيش حياة لا يكون الماضي هو المتحكم الوحيد في تفاصيلها.
فأنا لست مجرد تجربة مؤلمة مررت بها… ولست مجرد خيبة أو خسارة أو موقف لم أستطع تغييره.
أنا إنسانة تتعلم وتنضج وتخطئ وتعيد المحاولة… ومن حقي أن أبدأ من جديد حتى لو تأخرت في فهم الطريق.
وفي النهاية أدركت أن النجاة الحقيقية لا تعني أن ننكر ما حدث أو نتظاهر بأننا لم نتألم… بل أن نصل إلى مرحلة نستطيع فيها تذكر ما حدث دون أن نسمح له بأن يقرر عنا كيف نعيش.
ما حدث جزء من قصتي لكنه ليس كل قصتي… وما فقدته في الماضي لا يعني أنني فقدت قدرتي على اختيار مستقبلي.



