أقلام حره

الشيخ إبراهيم حسن السَّفَر الحسني الهاشمي.. مسيرة علمية تجمع بين أصالة التراث ورسالة التعليم

من دمشق إلى حلب وتركيا.. رحلة في رحاب القرآن الكريم والعلوم الشرعية وإحياء الموروث الإسلامي

كتبت د صابرين علام

في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية والمعرفية، تظل العناية بالعلوم الشرعية والتراث الإسلامي إحدى الوسائل المهمة للحفاظ على الهوية الحضارية، وصون ما تركه العلماء من معارف ومؤلفات شكلت عبر القرون جزءًا أصيلًا من الذاكرة العلمية للأمة.

وفي هذا الإطار، تبرز المسيرة التي يرويها الشيخ إبراهيم حسن السَّفَر الحسني الهاشمي، بوصفها تجربة تتقاطع فيها اهتمامات علوم القرآن الكريم والقراءات والحديث النبوي والعقيدة والفلسفة وعلم الأنساب، إلى جانب السلوك والتزكية والاشتغال بالمصنفات التراثية.

وتكشف سيرته، وفق المعلومات المقدمة عنه، عن اهتمام يجمع بين التلقي عن الشيوخ، والتدريس، وإعداد الأعمال العلمية، في امتداد جغرافي يبدأ من دمشق الشام ويصل إلى عدد من المدن السورية وتركيا.

دمشق الشام.. جذور النشأة وبدايات الاهتمام بالعلم

وُلد الشيخ إبراهيم حسن السَّفَر عام 1989م في العاصمة السورية دمشق، المدينة التي ارتبط اسمها بتاريخ طويل من النشاط العلمي والفكري، واحتضنت مدارس الفقه والحديث والتفسير واللغة والقراءات.

وينتسب الشيخ، بحسب التعريف الوارد في سيرته، إلى السادة الحسنيين الهاشميين، وهو انتساب يستدعي في التراجم العلمية التفصيلية الرجوع إلى وثائق الأنساب ومصادرها المعتمدة.

وقد شكلت البيئة الشامية، بما تحمله من إرث علمي وثقافي، إطارًا لاهتماماته المتعددة، ولا سيما في المجالات التي تقوم على دراسة النصوص الإسلامية والتلقي عن أهل الاختصاص.

ولم تنحصر هذه الاهتمامات في فرع واحد من فروع المعرفة، بل امتدت إلى علوم تتكامل في موضوعاتها ومناهجها، من ضبط النص القرآني ورواياته إلى دراسة الحديث النبوي، مرورًا بقضايا الاعتقاد والتفكير الفلسفي والتاريخ الاجتماعي للأسر والأنساب.

رحلة بين الشيوخ ومجالس العلم

من أبرز ملامح المسيرة العلمية للشيخ إبراهيم السَّفَر اهتمامه بالتلقي المباشر عن العلماء والمقرئين، وهو تقليد راسخ في تاريخ التعليم الإسلامي، يقوم على الجمع بين قراءة الكتب وفهم مضامينها والاستفادة من خبرات أهل العلم.

وتضم قائمة الشيوخ الذين ذكرهم في ترجمته الشيخ محمد منير الشويكي في علم الأنساب، والمقرئ عبد الهادي كناكري في القراءات وعلوم القرآن، والشيخ يوسف بن علاوي الأردني المعروف بأبي الحجاج في الحديث النبوي، إلى جانب الشيخ محمد توفيق بن تيسير المخزومي والشيخة نادية مرسي المصرية والدكتور عمرو شريف وغيرهم.

كما يذكر الشيخ محمد بشير الرز والشيخ مصطفى التركماني ضمن الأسماء التي ارتبطت باهتمامه بالسلوك والتزكية، والشيخ سالم صفوت المصري في سياق دراسته للقراءات العشر الصغرى.

وتبرز أهمية هذا التنوع في أنه يفتح أمام طالب العلم آفاقًا متعددة لفهم التراث، ويتيح له التعرف إلى مناهج مختلفة في التعليم والتأليف والبحث.

وتظل طبيعة الإجازات العلمية وحدودها وتفاصيل أسانيدها من المسائل التي تتطلب الرجوع إلى وثائقها الأصلية عند إعداد سيرة علمية موثقة.

القرآن الكريم.. عناية بالقراءات وضبط الرواية

يحتل القرآن الكريم وعلومه موقعًا بارزًا في اهتمامات الشيخ إبراهيم السَّفَر، وخاصة علم القراءات الذي يمثل أحد الفنون الدقيقة في التراث الإسلامي.

ويقوم هذا العلم على معرفة القراءات المنقولة وأصولها وفرشها وطرق أدائها، مع العناية بضبط الرواية والتلقي المتخصص.

وفي هذا السياق، يذكر الشيخ إعداده ملخصًا في القراءات العشر الصغرى، وهو عمل يعكس اهتمامه بتقريب المسائل العلمية وتنظيمها في صورة تساعد الدارسين على المراجعة والفهم.

ولا تقتصر أهمية هذه الجهود على جمع المعلومات، بل تمتد إلى المحافظة على الصلة بالمناهج التي اعتمدها العلماء في تعليم القراءات، والتمييز بين المعرفة النظرية والإتقان العملي الذي يتطلب المشافهة والتلقي.

إحياء علوم الدين.. حضور الغزالي في مشروعه العلمي

ومن المحطات اللافتة في اهتمامات الشيخ إبراهيم السَّفَر عنايته بكتاب إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي، أحد أبرز المصنفات في تاريخ الفكر الأخلاقي والروحي الإسلامي.

فقد ذكر الشيخ اشتغاله على شرح الكتاب، إلى جانب مشروع لتهذيبه لم يُطبع بعد، بحسب المعلومات المتاحة في سيرته.

ويمثل الاشتغال على هذا المصنف مجالًا واسعًا للبحث في موضوعات العبادة والأخلاق وتربية النفس وآداب التعامل ومحاسبة الإنسان لنفسه.

كما أن إعادة تقديم الكتب التراثية للقراء المعاصرين تطرح مسؤولية علمية تتعلق بدقة النقل، ووضوح المنهج، والمحافظة على مقاصد النصوص الأصلية، مع بيان ما يحتاج إلى تحقيق أو تخريج أو مراجعة.

ومن هنا تبرز أهمية المشروعات العلمية التي تسعى إلى تيسير قراءة التراث، شريطة أن تقوم على أسس واضحة في الشرح والتحقيق والتوثيق.

علم الأنساب.. اهتمام بالتاريخ وصلة الأجيال

لا يقف اهتمام الشيخ إبراهيم السَّفَر عند العلوم الشرعية التقليدية، بل يمتد إلى علم الأنساب، الذي يجمع بين البحث التاريخي ودراسة الوثائق والمشجرات والروايات المتعلقة بالأسر والبيوتات.

وقد ذكر الشيخ تلقيه هذا العلم عن الشيخ محمد منير الشويكي.

ويمثل علم الأنساب جانبًا مهمًا من دراسة التاريخ الاجتماعي، إذ يساعد على فهم العلاقات الأسرية وحركات الانتقال والاستقرار والصلات التي نشأت بين المجتمعات عبر العصور.

غير أن هذا المجال يتطلب قدرًا كبيرًا من التدقيق، ولا سيما عند دراسة الأنساب الممتدة عبر قرون طويلة، حيث تصبح المقارنة بين الوثائق والمصادر التاريخية ضرورة أساسية للوصول إلى نتائج موثوقة.

من مساجد الشام إلى تركيا.. العلم يتجاوز حدود المكان

لم تقتصر الأنشطة التي يذكرها الشيخ إبراهيم السَّفَر على الدراسة والبحث، بل شملت أيضًا التدريس وإلقاء الدروس في عدد من المساجد والمدارس.

وبحسب سيرته، امتد نشاطه التعليمي إلى حلب ومنبج والغوطة الشرقية والقابون، فضلًا عن عدد من المساجد والمدارس في تركيا.

وتحمل هذه المحطات دلالة على أهمية التعليم المباشر في نقل المعرفة، وخاصة في المجتمعات التي تحافظ فيها المساجد على دورها الديني والثقافي والتربوي.

كما يذكر الشيخ وجود دروس له عبر منصة يوتيوب، بما يتيح للمهتمين متابعة بعض المواد العلمية والاستفادة منها خارج نطاق المجالس الحضورية.

وهكذا يجتمع في تجربته، بحسب المعلومات المتاحة، نمطان من التعليم: التلقي والتدريس المباشر، والاستفادة من الوسائط الرقمية الحديثة في نشر المحتوى العلمي.

التكريم العلمي بين التقدير والتوثيق

وتتضمن سيرة الشيخ إبراهيم حسن السَّفَر إشارة إلى حصوله على دكتوراه فخرية من جهة تحمل اسم نقابة الأشراف في أوروبا والعالم العربي والإسلامي، مع ذكر الشيخ أحمد ويسو العباسي بصفته النقيب.

وتندرج هذه المعلومة ضمن ما أورده الشيخ عن تكريمه، مع ضرورة التمييز بين الألقاب الفخرية والدرجات الأكاديمية البحثية التي تمنحها الجامعات بعد استيفاء متطلبات الدراسة والبحث.

وتبقى الوثائق الرسمية للجهة المانحة والشهادة نفسها المرجع الأساسي لتحديد طبيعة التكريم وتاريخه وصفته.

رسالة العلم.. بين حفظ الموروث وصناعة الأثر

إن قراءة المسيرة التي يقدمها الشيخ إبراهيم حسن السَّفَر الحسني الهاشمي تفتح بابًا للتأمل في العلاقة بين العلوم الموروثة واحتياجات الأجيال الجديدة.

فالتراث الإسلامي، بما يضمه من مؤلفات في التفسير والحديث والقراءات والأخلاق والفكر والتاريخ، ليس مجرد صفحات محفوظة في المكتبات، وإنما مادة علمية تحتاج إلى القراءة والتحقيق والفهم والنقد المسؤول.

وتتجلى أهمية الاشتغال بهذا التراث في القدرة على تقديمه بصورة واضحة، تحافظ على أصوله وتيسر الإفادة منه، دون إغفال ضرورة التثبت من المعلومات والأسانيد والنقول.

ومن دمشق التي شهدت مولده عام 1989م، إلى المدن السورية وتركيا التي يذكرها ضمن محطات نشاطه التعليمي، تتشكل صورة لمسيرة متعددة الاهتمامات، يجمعها الانشغال بالمعرفة الإسلامية ووسائل نقلها.

وفي نهاية المطاف، لا تُقاس قيمة طالب العلم بكثرة الألقاب أو اتساع قائمة الشيوخ وحدهما، وإنما بما يقدمه من معرفة صحيحة، وما يبذله من جهد نافع، وما يلتزمه من أمانة في البحث والتعليم.

فالعلم رسالة تتجاوز حدود الزمان والمكان، والتراث أمانة تتوارثها الأجيال، ويبقى الأثر الحقيقي للعالم في معرفة ينشرها، وقيمة يغرسها، وعمل ينتفع به الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock