أقلام حره

” وجيه نزيه” يكتب : مُعوقات إستراتيجية مسيرة النهضة و مؤشرات التنامي للدولة المـصــرية .. بين الفساد الإداري و اللامبالاة المُجتمعية .

 

إن وطننا ليس مجرد مساحة جغرافية فحسب أو رمزاً لعلم خفاق ذات ألوان زاهية ،و لكنه منظومة مُتكاملة من الأواصر الحية التي تشتبك فيها إرادة التخطيط المؤسسى بوعي المواطنة .. غير أن هذا البُنيان الشاهق يتعرض لهزات عنيفة لعل أشدها خطورة ليس العدو الخارجي ،و لكنه طابور من اللامبالاة الداخلية و التخاذل الإداري الذي يرتدي ثوب الوظيفة بلا رُوح أو ضمير .

و على الإيضاح الأكثر تفسيراً فإن التشبيك المؤسسي المُثمر و التعاون التنموي الجاد هما جناحا أي أمة تَبتغي النهضة و تخفيف الأحمال عن كاهلها ،و لكن تراجع لجان الرقابة الدورية و التفتيش إلى مُربعات التقاعس الذي يحول بعض مَفاصل الإدارة إلى بؤر تُعطل مسيرة التنمية برمتها كافة .. و حين تتسيب لجان التفتيش عن سرقات كبلات الكهرباء المُستمدة بلا وجه حق و تغض الطرف و البصيرة أيضاً عن وصلات المياه غير القانونية التي تَلتهم موارد الري و تخترق الوحدات السكنية و الأسواق العشوائية الغير مُنظمة .. فإننا لا نكون أمام مُجرد مـخالفات إعتيادية بل أمام ثغرات مُميتة تضرب في صميم الأمن القومي و الاقتصادي .. فهذه الفجوات الإستهلاكية تفرغ خزائن الوزارات المعنية من حصائل مالية بمليارات الجنيهات و تهدد مشروعات قومية إستراتيجية تنموية تعتمد على إستقرار منظومة شبكات الطاقة بدءاً من آمال تخصيب المشروع النووي القائم و تسييل الغاز و مشتقاته البترولية وصولاً إلى مصانع صهر و تشكيل المعادن التي تستهلك طاقات هائلة .

و أما على صعيد الموارد المائية يتسبب هذا النزيف المائي في عجز حاد يهدد رقعة الزراعات التي تحقق الإكتفاء الذاتي للأسواق المحلية و توفر السلع الأساسية المدعمة مثل مبادرات زراعة القمح و خزائن صوامعه .. لتمتد التداعيات خارجياً فتضرب مَقتلاً في صادراتنا الزراعية المُتميزة و المَطلوبة من أصناف عدد منها الموالح و الفراولة و المانجو و الأرز المصري العريق ،و هي محاصيل إستراتيجية ترتكز عليها الأسواق الأوروبية و تجلب للخزينة العامة للدولة عملة صعبة نحن في أشد الحاجة إليها في وقتنا الحاضر .

و علي هذا الذكر للمُتناقضات بين الإحتياجات و التطلعات و مع التقصير الذي يَدرُ عدة مُهدرات نحن بغني عنها يُعد نزيفاً داخلياً يتقاطع مع رؤي التنمية و بوادر النهضة المأمولة .. و ننتقل إلى طرح أخر علي صعيد دوائر المحليات حيث تتولد من رحم الإهمال و المبالاة كارثة كبرى تبدأ بخيط رفيع بصغائرها ،و لكنها تتفاقم لمشكلات كبري بمثابة مُعوقات لمصائر التنمية و النهوض .. لنذكر منها عاموداً للإنارة في شارع رئيسي يفتقر إلى أبسط قواعد الصيانة و تتدلى منه أسلاكه العارية أمام المدارس و بوابات عبور الطلاب لتتحول الصواعق الكهربائية إلى آلات لقتل العمد أو التسبب في إصابات و عاهات مُستديمة و لقدر الله لشلل دماغي يدمر مستقبل أسر بأكملها ،و حين ينتقل الضحايا إلى المستشفيات الحكومية لإرجاء المشكلات مثل هذة إلي تحميل العبء للمنظومة الصحية فتصطدم المأساة بفقر حاد في الأدوات و المستلزمات لتتضاعف و تتقاقم إلي نطاق أوسع تأثيراً عن تقديم الحد الأدنى من الرعاية مدعومة ،و فضلاً علي سبيل الذكر لا الحصر لعدة مُتنافضات .. حيث تفشي أمراضاً سرطانية ناجمة عن غياب الرقابة الحقيقية على صلاحيات السلع الغذائية بالأسواق ،ولا يقل عن ذلك خطورة تراكمات القمامة داخل المدارس البسيطة التي أصبحت بيئة حاضنة للأوبئة و القوارض المهددة لسلامة الطلاب ،و التي تُثقل كاهل مستشفيات التأمين الصحي بلا طائل

و على النقيض من ذلك أيضاً تبرز مشروعات الطرق و الكباري كمُكتسبات عملاقة توفر إستهلاك المحروقات و الوقت الطويل و الجهد العسير لكن غياب صولجان المتابعة الدورية و الصيانة المستمرة يفقدها جوهرها .. فكثيراً ما نسمع عن تشققات في كباري حديثة البناء توقف شرايين الطرق الحيوية و تخلف إصابات مُفجعة يوازيها إستهتار مُتعمد من بعض السائقين في صيانة مركباتهم و الإلتزام بآداب سير القيادة في ظل جهد ملموس لرجال المرور عن نشر لجان تفتيش جادة و رادعة .

و ختاماً فإن التنافر اللامُتعاون إدارياً و اللامبالاة المُجتمعية هما وجهان لعملة واحدة تُعد في حق الوطن جريمة محاسبة ضمير لا تُغتفر .. فالتقدم و التنمية و النهضة لا يمكن أن يتحققا بمشروعات عملاقة وحدها ما لم يحرسها جدار من الإنضباط الإداري الواعي و الرقابة الصارمة التي لا تعرف التهاون ،و حين تتجرد المؤسسات من مقص رقبائها و تسترخي الأجهزة الرقابية في مكاتبها و يتراخى المواطن عن إدراك خطورة العبث بالمقدرات العامة تنهار خطط التنمية و تتكسر طموحات الدولة على صخرة الفوضى .. لذا إصلاح هذا الخلل البنيوي يبدأ من إستعادة هيبة القانون بلا إستثناءات و تفعيل لجان التفتيش و المحاسبة الفورية لكل مُقصر سواء في الجهاز الحكومي أو الشارع الذي يُعج بفوضويته .. فدماء أخواتنا المهدرة بالطرقات و أموال خزانتنا المُتبددة في الوصلات و مُقدراتنا لالأجيال القادمة التي تنهبها العشوائية و التقاعس كلها أمانات في عنق كل مسئول و مواطن ،و تستوجب من خلالها صحوة ضمير وطني تضع القانون فوق الجميع بلا هوادة جنباً إلى جنب بخطط التنمية و تطلعات الدولة المصرية و جهودها الكبري المُثمرة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock