المنصه الدوليه

حين يصبح الصمت لغةً: عن الأشياء التي لا نقولها

بقلم آداما موسى جالوا
من جمهورية مالي

ليست كل الأشياء التي تؤلمنا تجد طريقها إلى الكلام. هناك مشاعر نحتفظ بها لأننا لا نعرف كيف نشرحها، وأفكار نؤجل التعبير عنها لأننا نخشى ألا يفهمها الآخرون، وأسئلة تبقى معلقة في داخلنا لأننا لم نجد الشخص المناسب الذي يمكن أن نطرحها أمامه.

ومع مرور الوقت، قد يتحول الصمت من موقف مؤقت إلى عادة.

نصمت عندما نختلف، ونصمت عندما نتألم، ونصمت أحيانًا حتى عندما نحتاج إلى المساعدة. ثم نعتاد هذا الصمت إلى درجة أننا نعتقد أن الآخرين يفهمون ما نريد دون أن نقوله.

لكن الحقيقة أن الإنسان لا يستطيع دائمًا أن يُقرأ من الخارج.

قد يبتسم شخص وهو يحمل في داخله تعبًا كبيرًا، وقد يبدو آخر قويًا بينما هو في حاجة إلى كلمة تشجعه، وقد ينسحب أحدهم من مكان اعتاد أن يكون فيه لا لأنه فقد الاهتمام، بل لأنه شعر أن وجوده لم يعد مهمًا.

لهذا فإن التواصل الحقيقي لا يبدأ بالكلام فقط، وإنما يبدأ بالانتباه.

ليست كل المسافات جغرافية

نحن نعيش في زمن أصبح فيه التواصل أسهل من أي وقت مضى. يمكن للرسالة أن تصل في ثوانٍ، ويمكن لصوت شخص بعيد أن يصبح حاضرًا في أيدينا بضغطة واحدة.

ومع ذلك، يبدو أن هناك مسافات جديدة تتسع بين الناس.

قد يجلس شخصان في المكان نفسه، لكن كل واحد منهما يعيش عالمًا مختلفًا. وقد تكون بينهما عشرات الرسائل، دون أن توجد بينهما محادثة واحدة صادقة.

المشكلة ليست في قلة وسائل الاتصال، وإنما في طبيعة الاتصال نفسه.

لقد أصبحنا نعرف أخبار الآخرين بسرعة، لكننا لا نعرف دائمًا ما يشعرون به.

نرى الصور، ولا نرى ما خلفها.

نقرأ الكلمات، ولا نعرف دائمًا ما الذي دفع صاحبها إلى كتابتها.

ولهذا فإن كثرة التواصل لا تعني بالضرورة عمق العلاقة.

الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى حل

عندما يتحدث إلينا شخص عن مشكلة يمر بها، نسارع أحيانًا إلى تقديم الحلول.

نقول له ماذا يفعل، وماذا يتجنب، وكيف يتصرف.

لكن بعض الناس لا يبحثون في لحظة ضعفهم عن حل جاهز، وإنما يريدون شخصًا يستمع إليهم دون أن يحول حديثهم إلى محاكمة أو محاضرة.

الاستماع في حد ذاته شكل من أشكال الدعم.

أن تسمح لشخص بأن ينهي كلامه دون مقاطعة، وأن تحاول فهمه قبل أن تحكم عليه، وأن تختلف معه دون أن تقلل من مشاعره؛ هذه أمور بسيطة في ظاهرها، لكنها أصبحت نادرة في عالم سريع لا يمنح أحدًا وقتًا كافيًا.

لماذا نخاف من أن نكون على حقيقتنا؟

ربما لأننا تعلمنا منذ وقت مبكر أن صورة الإنسان أمام الآخرين مهمة.

نريد أن نبدو ناجحين، واثقين، أقوياء، ومتماسكين.

لكن الإنسان الحقيقي ليس كذلك طوال الوقت.

لدينا أيام نتقدم فيها، وأيام نتراجع فيها. ننجح في بعض الأشياء ونفشل في أخرى. نعرف أحيانًا ماذا نريد، ثم نكتشف أننا كنا مخطئين.

وهذا طبيعي.

ليست القوة أن تخفي ضعفك دائمًا، وليست الحكمة أن تتظاهر بأنك تعرف كل شيء.

أحيانًا تكون الشجاعة الحقيقية في أن تقول: لا أعرف. أحتاج إلى مساعدة. أخطأت. أشعر بالتعب.

هذه الكلمات لا تنقص من قيمة الإنسان؛ بل تجعله أكثر صدقًا مع نفسه.

لا تجعلوا الاختلاف سببًا للقطيعة

من المشكلات التي تزداد في مجتمعاتنا أن الاختلاف يتحول بسرعة إلى خصومة.

قد نختلف في الرأي، فننسى أن اختلاف الرأي لا يعني اختلاف القيمة الإنسانية.

يمكن أن أختلف معك دون أن أكرهك، ويمكن أن تنتقد فكرتي دون أن تكون عدوي.

المجتمع الذي لا يستطيع أفراده الاختلاف بهدوء، يتحول مع الوقت إلى مجتمع يخشى الحوار.

وهنا تصبح المشكلة أكبر من مجرد خلاف بين شخصين؛ لأنها تمس قدرتنا على التفكير المشترك وصناعة الحلول.

نحن لا نحتاج إلى أن نتفق في كل شيء، وإنما نحتاج إلى أن نتعلم كيف نختلف دون أن نفقد احترامنا لبعضنا.

الكلمة مسؤولية

الكلمات ليست مجرد أصوات أو حروف.

كلمة واحدة قد تمنح شخصًا أملًا، وكلمة أخرى قد تجعله يشك في نفسه.

وقد ننسى نحن كلمة قلناها قبل سنوات، بينما يظل شخص آخر يتذكرها حتى اليوم.

لذلك ينبغي أن نتعلم التمهل قبل الكلام، خصوصًا عندما نكون غاضبين.

ليس كل ما نشعر به يجب أن نقوله بالطريقة نفسها، وليس كل ما نعرفه يجب أن ننشره، وليس كل ما نختلف حوله يستحق أن يتحول إلى معركة.

النضج ليس في امتلاك القدرة على الكلام فقط، بل في معرفة متى نتكلم، وماذا نقول، وكيف نقوله.

وربما نحتاج إلى أن نسمع أنفسنا أيضًا

وسط كل هذا الضجيج، ننسى أحيانًا أن الإنسان يحتاج إلى لحظات يكون فيها بعيدًا عن الآخرين.

ليس هروبًا منهم، وإنما عودة إلى نفسه.

أن يسأل:

ماذا أريد فعلًا؟

ما الذي تغير في داخلي؟

هل أسير في الطريق الذي اخترته، أم في الطريق الذي اختاره الآخرون لي؟

ما الأشياء التي أؤجلها باستمرار؟

هذه الأسئلة قد لا تقدم إجابات فورية، لكنها تساعد الإنسان على اكتشاف نفسه.

فالإنسان الذي لا يصغي إلى نفسه طويلًا قد يعيش سنوات وهو يحقق أهدافًا لم تكن أهدافه أصلًا.

في النهاية

ربما لا نستطيع أن نعرف كل ما يخفيه الناس، ولا نستطيع أن نحل كل مشكلاتهم.

لكن يمكننا أن نكون أكثر انتباهًا.

يمكننا أن نسأل شخصًا: «كيف حالك؟» وننتظر الإجابة فعلًا.

يمكننا أن نستمع دون استعجال.

يمكننا أن نختلف دون إساءة.

يمكننا أن نعتذر عندما نخطئ.

ويمكننا أن نعطي للكلمة وزنها قبل أن نطلقها.

ففي عالم يزداد فيه الكلام كل يوم، ربما أصبح أهم ما نحتاج إليه ليس المزيد من الأصوات، بل المزيد من الفهم.

وربما كان الصمت أحيانًا لغة، لكن أجمل ما يمكن أن يحدث هو أن نجد من يفهمها دون أن نضطر إلى ترجمتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock