
25 عامًا على 11 سبتمبر.. هل تعود الكارثة؟ واشنطن بين دروس الماضي وأخطاء الحاضر
بقلم: الإعلامي حماده عثمان
في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، استيقظ العالم على واحدة من أكثر اللحظات صدمة في التاريخ الحديث. أربع طائرات مدنية تحولت إلى أدوات لتنفيذ هجمات إرهابية غيرت شكل النظام الدولي، وأسفرت عن مقتل نحو 3 آلاف شخص، وأطلقت بعدها الولايات المتحدة ما عُرف بـ«الحرب على الإرهاب».
وبعد مرور 25 عامًا، لم تعد الذكرى مجرد استعادة لمشاهد مأساوية، وإنما أصبحت سؤالًا مفتوحًا أمام واشنطن والعالم: هل تم تعلم الدرس فعلًا؟ وهل يمكن أن تتكرر الكارثة، وإن اختلفت صورتها وأدواتها؟
من أين جاء خطر القاعدة؟
لم يظهر تنظيم القاعدة من فراغ. فقد تشكلت بيئته خلال الحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفيتي في ثمانينيات القرن الماضي، ثم تحول لاحقًا إلى تنظيم دولي بقيادة أسامة بن لادن.
وخلال التسعينيات، تصاعد عداء التنظيم للولايات المتحدة، خاصة بسبب الوجود العسكري الأمريكي في السعودية بعد حرب الخليج، والسياسة الأمريكية تجاه عدد من أزمات الشرق الأوسط، فضلًا عن الصراع العربي الإسرائيلي.
وفي المقابل، يجب التأكيد بوضوح أن هذه الظروف لا تبرر بأي شكل قتل المدنيين أو استهداف الأبرياء؛ فهي تساعد على تفسير السياق السياسي الذي استغلته القاعدة في بناء خطابها المتطرف، لكنها لا تمنح الإرهاب أي شرعية.
إشارات تحذير لم تُقرأ بما يكفي
قبل 11 سبتمبر، كانت هناك مؤشرات واضحة على تصاعد خطر القاعدة، ووقعت هجمات مرتبطة بالتنظيم ضد مصالح أمريكية في الخارج.
لكن المشكلة لم تكن غياب المعلومات بالكامل، بقدر ما كانت في تقييم الخطر والتنسيق بين المؤسسات الأمنية وتحويل التحذيرات إلى إجراءات تمنع الهجوم.
وهنا يظهر أحد أهم دروس 11 سبتمبر:
الكارثة لا تبدأ لحظة وقوع الهجوم، وإنما تبدأ عندما تتراكم إشارات الخطر دون أن تجد الاستجابة المناسبة.
ما بعد 11 سبتمبر.. حرب غيّرت العالم
بعد الهجمات، شنت الولايات المتحدة حربًا على تنظيم القاعدة في أفغانستان، ثم اتسعت دائرة التدخلات العسكرية الأمريكية لتشمل العراق عام 2003، رغم أن العراق لم يكن هو الجهة التي نفذت هجمات 11 سبتمبر.
ومن هنا دخل العالم مرحلة جديدة؛ حروب طويلة، وتغييرات سياسية عميقة، وصراعات إقليمية، وظهور تنظيمات إرهابية جديدة في مناطق مختلفة.
وبمرور السنوات، أصبح السؤال أكثر تعقيدًا:
هل أدت بعض السياسات التي اتبعت بعد 11 سبتمبر إلى تقليص الإرهاب، أم أن بعضها ساهم بصورة غير مباشرة في خلق أزمات وبيئات جديدة استغلتها التنظيمات المتطرفة؟
هل يمكن أن تتكرر 11 سبتمبر؟
من الصعب أن تتكرر الأحداث بالطريقة نفسها، فقد تغيرت إجراءات أمن الطيران، وتطورت أجهزة الاستخبارات والمراقبة، وأصبحت الولايات المتحدة أكثر استعدادًا لمواجهة التهديدات الإرهابية.
لكن الخطر لا يختفي بمجرد تطوير الإجراءات الأمنية.
فالتطرف يمكن أن يستفيد من الحروب، والفوضى السياسية، والانهيار الاقتصادي، والصراعات الطائفية، والاحتلال، والشعور بالظلم واليأس، وانتشار خطاب الكراهية والتجنيد عبر الإنترنت.
ولهذا فإن مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تعتمد على القوة العسكرية وحدها.
الدرس الذي يجب ألا يضيع
بعد ربع قرن، ربما يكون أهم درس من 11 سبتمبر أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالسلاح فقط.
نعم، تحتاج الدول إلى أجهزة أمنية واستخباراتية قوية، وإلى حماية المنشآت والمطارات والحدود، لكنها تحتاج أيضًا إلى معالجة الأزمات السياسية والإنسانية التي تستغلها الجماعات المتطرفة.
كما أن مكافحة الإرهاب يجب ألا تتحول إلى صراع مع شعوب أو أديان أو جنسيات، لأن ذلك قد يؤدي إلى إنتاج المزيد من الغضب والكراهية بدلًا من القضاء على التطرف.
25 عامًا.. والسؤال ما زال قائمًا
في ذكرى مرور 25 عامًا على 11 سبتمبر، يتذكر العالم آلاف الضحايا الذين فقدوا حياتهم في تلك المأساة، ويتذكر كذلك كيف تغير العالم بعدها.
لكن الذكرى يجب ألا تكون مجرد مراسم سنوية، بل فرصة لمراجعة السياسات والقرارات التي أعقبت الكارثة.
هل تعلمت واشنطن الدرس كاملًا؟
ربما تعلمت الكثير في مجال الأمن ومكافحة الإرهاب، لكنها لم تستطع وحدها إنهاء الأزمات التي تغذي التطرف.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل يمكن أن تتكرر 11 سبتمبر؟
بل السؤال الأهم:
هل يستطيع العالم أن يمنع الظروف التي قد تُنتج كارثة جديدة، قبل أن تقع؟
فالدرس الذي لم يُتعلم جيدًا قد يعود، ليس بالضرورة بالطائرات نفسها، ولا في المكان نفسه، ولكن في صورة جديدة من الإرهاب والتطرف والفوضى.
25 عامًا مرت.. والذكرى باقية، لكن الأهم أن تتحول الذكرى إلى وعي، والوعي إلى سياسات تمنع تكرار المأساة.



