أقلام حره

قرارات التعليم التعسفية بين تجاهل صحة الطالب وفرض الحضور الإجباري.. فالتعليم ترغيب لا ترهيب!

بقلم / سماح محروس

في ظل القرارات المتلاحقة التي تشهدها المنظومة التعليمية، تتصاعد حالة من الغضب والاستياء بين أولياء الأمور، نتيجة بعض القرارات التي يرون أنها لا تراعي الظروف الصحية والإنسانية للطلاب، وتضعهم وأسرهم أمام أعباء إدارية ومادية ونفسية لا مبرر لها.

ويأتي في مقدمة هذه القرارات، القرار المتعلق بقصر اعتماد الأعذار المرضية للطلاب على التقارير الصادرة عن منظومة التأمين الصحي، وعدم الاعتداد بالتقارير الطبية الصادرة عن جهات علاجية أخرى، حتى وإن كانت رسمية ومعتمدة.

وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة: هل أصبح انتظام الحضور المدرسي أهم من صحة الطالب؟ وهل يُعقل أن يتحول المرض إلى رحلة من المعاناة والإجراءات الروتينية لإثبات عذر طبي قائم بالفعل؟!

بين الانضباط المدرسي والتعسف الإداري

لا يختلف اثنان على أهمية انتظام الطلاب في الحضور، ولا يمكن لأحد أن ينكر أن الانضباط المدرسي أحد أهم ركائز نجاح العملية التعليمية، ولكن الانضباط الحقيقي لا يتحقق بفرض إجراءات مرهقة على الطلاب المرضى وأولياء أمورهم، ولا بإجبار الأسرة على المرور بسلسلة من التعقيدات الإدارية للحصول على اعتماد عذر مرضي موثق.

فالتعليم رسالة إنسانية وتربوية قبل أن يكون منظومة قرارات ولوائح، والطالب ليس مجرد رقم في كشوف الحضور والغياب، بل إنسان له حقوق صحية ونفسية واجتماعية يجب أن تكون في مقدمة أولويات المسؤولين.

إن إلزام ولي الأمر بالتعامل مع جهة طبية واحدة لاعتماد العذر المرضي، دون توفير بدائل ميسرة، قد يتحول إلى عبء قاسٍ، خاصة عندما يكون الطالب في حالة صحية لا تسمح له بالتنقل أو الانتظار أو التعرض للتزاحم داخل المنشآت الطبية.

التأمين الصحي بين شكاوى أولياء الأمور وضرورة المحاسبة

إن الاعتراض على هذه الإجراءات لا يعني رفض الدور الأساسي الذي يفترض أن تؤديه هيئة التأمين الصحي في رعاية الطلاب، وإنما يعكس حالة من فقدان الثقة لدى بعض أولياء الأمور، نتيجة ما يصفونه من قصور في الخدمات، وتعقيد الإجراءات، وطول فترات الانتظار، وعدم مراعاة الظروف الصحية للطلاب.

ومن واقع تجربتي الشخصية كولية أمر، وما لمسته من معاناة في التعامل مع إجراءات استخراج التقارير الطبية واعتماد الأعذار المرضية، أرى أن هناك حاجة ملحة إلى مراجعة آليات العمل داخل المنظومة، وتيسير الإجراءات بما يحفظ كرامة الطالب وولي أمره.

كما أن ما يُثار من شكاوى واتهامات بشأن طلب مبالغ مالية غير قانونية أو استغلال حاجة الأسر إلى استخراج التقارير الطبية، يستوجب التحقيق الجاد والشفاف من الجهات الرقابية المختصة، ومحاسبة كل من تثبت مخالفته، دون تعميم الاتهام على جميع العاملين بالهيئة.

فلا يجوز أن تتحول حاجة الطالب المريض إلى تقرير طبي إلى باب للاستغلال، أو أن يصبح الحصول على حق مشروع مشروطًا بمعاناة إضافية تتحملها الأسرة.

التدخل البرلماني وصرخة أولياء الأمور

إن إثارة هذه القضية من خلال طلبات الإحاطة والاعتراضات البرلمانية، إنما تعكس أهمية الاستماع إلى شكاوى أولياء الأمور، ودراسة الآثار الفعلية للقرارات التعليمية على حياة الأسر المصرية.

فالمسألة لا تتعلق برفض الحضور المدرسي أو تشجيع الغياب دون مبرر، وإنما تتعلق بحق الطالب المريض في الحصول على عذر طبي معتمد، دون أن يتعرض لإجراءات قد تزيد من معاناته أو تؤثر سلبًا على حالته الصحية.

ومن حق ولي الأمر أن يتساءل: لماذا لا يُعتد بتقرير طبي رسمي صادر عن مستشفى حكومي أو جامعي أو جهة علاجية مرخصة ومعتمدة، متى استوفى الضوابط الطبية والقانونية اللازمة؟

ولماذا لا تُوضع آلية واضحة للتحقق من صحة التقارير الطبية بدلًا من تحميل الأسر أعباء الانتقال بين الجهات المختلفة؟

رسالة إلى وزير التربية والتعليم.. صحة أبنائنا ليست مجالًا للتعسف

السيد وزير التربية والتعليم والتعليم الفني..

إننا لا نطالب بإلغاء الانضباط المدرسي، ولا نرفض تنظيم الحضور والغياب، وإنما نطالب بتحقيق التوازن بين مصلحة العملية التعليمية وحق الطالب في الرعاية الصحية.

فالطالب المريض يحتاج إلى العلاج والراحة، لا إلى رحلة جديدة من المعاناة لإثبات أنه مريض!

والأسرة التي تتحمل بالفعل أعباء العلاج والدواء لا ينبغي أن تُحمَّل أعباء إضافية نتيجة إجراءات إدارية معقدة.

ومن هذا المنطلق، نطالب بمراجعة الضوابط المنظمة لقبول الأعذار المرضية، والسماح بقبول التقارير الطبية الرسمية المعتمدة من الجهات العلاجية المختصة، مع وضع آليات للتحقق من صحتها ومنع التلاعب بها.

كما نطالب بتيسير إجراءات اعتماد الأعذار الطبية إلكترونيًا كلما أمكن، وتوفير مسارات عاجلة للحالات المرضية التي لا تسمح ظروفها بالانتقال أو الانتظار، وفتح قنوات واضحة لتلقي شكاوى أولياء الأمور والتحقيق فيها.

إن الحفاظ على الانضباط لا يتعارض مع الرحمة، وتطبيق القانون لا يعني تجاهل البعد الإنساني، وتحقيق مصلحة التعليم لا يجوز أن يكون على حساب صحة أبنائنا.

التعليم ترغيب لا ترهيب

إن المدرسة التي نريدها لأبنائنا هي مدرسة تحتضن الطالب، وتحترم ظروفه، وتحافظ على صحته وكرامته، وتجعله يقبل على التعليم بحب ورغبة، لا بخوف من العقوبات والإجراءات التعسفية.

فالترغيب في الحضور يبدأ بتوفير بيئة تعليمية آمنة وجاذبة، وببناء جسور الثقة بين المدرسة والأسرة، وبالاستماع إلى مشكلات أولياء الأمور بدلًا من مضاعفة أعبائهم.

إن صحة الطالب ليست امتيازًا تمنحه القرارات الإدارية، بل حق أصيل يجب احترامه وحمايته.

وفي الختام، أوجه رسالتي إلى ضمير كل مسؤول عن مستقبل التعليم في مصر:

راجعوا القرارات التي تمس صحة أبنائنا، واستمعوا إلى أصوات أولياء الأمور، وضعوا مصلحة الطالب فوق الروتين الإداري، واجعلوا الرحمة والعدالة والتيسير أساسًا للتعامل مع الحالات المرضية.

فلا تعليم ناجحًا دون طالب يتمتع بالصحة والأمان، ولا انضباط حقيقيًا يقوم على الخوف والمعاناة.

صحة أبنائنا أولًا.. والتعليم ترغيب لا ترهيب.. والرحمة بالطالب المريض واجب إنساني قبل أن تكون مسؤولية إدارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock