
دعاء الهلالى تكتب: ماذا يتعاطون في الأرياف؟
ليس سؤالًا عن المخدرات، ولا عن نوع من أنواع السموم التي تُباع في الخفاء، بل هو سؤال يفرض نفسه كلما رأيتُ بعض الأرواح هناك تسير بخفةٍ فوق جراح غيرها، وتقتات من تعثر الآخرين، وتزدهر حين يبهت وجه ناجح، أو تنكسر امرأة كانت تضحك بالأمس.
ماذا يتعاطون في الأرياف؟
أيُّ مادة تلك التي تجعل الفضول عندهم شهوة يومية؟
يستيقظ بعضهم لا ليزرع أرضًا، ولا ليحصد رزقًا، بل ليحصي أنفاس الناس: من دخل؟ من خرج؟ من تأخر؟ من اتصل؟ من انفصل؟ من بكى؟ ومن أخفى دمعته؟
كأن أخبار الآخرين صارت خبزًا يؤكل، وماءً يُشرب، وإدمانًا لا فكاك منه.
ثم هناك نوع آخر من التعاطي، أشد خطرًا وأعمق أثرًا: تعاطي الخذلان.
يصفقون لك ما دمت في البداية، ويباركون لك ما دام الطريق قصيرًا، فإذا اقتربت من النجاح، تبدلت الوجوه، وخفتت التصفيقات، وصاروا أول من يشكك، وأسرع من يخذل، وأكثر من ينتظر سقوطك ليقول: كنا نعلم.
وكأن بعض النفوس لا يريحها أن ترى أحدًا ينجو.
أما الحسد، فهو المخدر الأكثر انتشارًا؛ لا يحتاج إلى مال، ولا إلى تاجر، ولا إلى موعد. يكفي أن تبتسم في وجه الحياة، أن تشتري شيئًا جديدًا، أن يحبك أحد، أن تُرزق بفرصة، أن يلمع اسمك قليلًا… عندها تبدأ العيون في العمل، وتبدأ الألسنة في الإفراز، وتبدأ الأرواح المريضة في التساؤل: لماذا هو؟ ولماذا ليست أنا؟
في الأرياف كما في المدن، ليس المكان مذنبًا، بل النفوس حين تضيق. لكن في الأماكن الصغيرة، تتضخم الحكايات، لأن المسافات قصيرة، والجدران رقيقة، والأسرار تمشي على الأقدام.
ومع ذلك، يبقى في الريف طهر كثير، وناس يشبهون القمح حين ينضج، وقلوب واسعة كالحقل بعد المطر. فلا نعمم ظلمًا، ولا نخلط بين أرضٍ كريمة، وبعض من أساؤوا السكن فيها.
ماذا يتعاطون في الأرياف؟
بعضهم يتعاطى الفراغ، فيثمر فضولًا.
وبعضهم يتعاطى النقص، فيثمر حسدًا.
وبعضهم يتعاطى القسوة، فيثمر خذلانًا.
أما الأسوياء، فيتعاطون العمل، والستر، والدعاء الطيب… وهؤلاء هم الذين يجعلون أي مكان صالحًا للحياه.



