
نهال الشافعي لـ«النيل الدولية»: إيران تمتلك أوراق ضغط متعددة من هرمز إلى باب المندب
كتب اشرف ابواليزيد
في مداخلة هاتفية لبرنامج «Bonjour l’Égypte» على شاشة قناة النيل الدولية بالفرنسية، تناولت نهال الشافعي، الباحثة في العلوم السياسية والاستراتيجية، أبرز الأوراق الاستراتيجية التي تمتلكها إيران في مواجهة الضغوط الأمريكية، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وانعكاساتها على أمن الطاقة والملاحة الدولية، مشيرة إلى أن طهران لا تعتمد على أداة واحدة، وإنما تتحرك عبر مزيج من الأوراق الجغرافية والإقليمية والاقتصادية والدبلوماسية.
وقالت الشافعي إن إيران تمتلك مجموعة من الأوراق الاستراتيجية التي تسمح لها بالتعامل مع الضغوط الأمريكية، سواء من خلال موقعها الجغرافي أو نفوذها الإقليمي أو شبكة علاقاتها الدولية، موضحة أن قوة طهران لا ترتبط فقط بقدراتها المباشرة، وإنما أيضًا بقدرتها على التأثير في عدد من الملفات والساحات المتشابكة في المنطقة.
وأوضحت أن الموقع الجغرافي لإيران يمثل أحد أهم عناصر قوتها الاستراتيجية، خاصة مع قربها من مضيق هرمز، الذي لا يمثل مجرد ممر بحري لنقل الطاقة، وإنما يرتبط بصورة مباشرة بأمن الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية، وهو ما يمنح طهران قدرة على التأثير في حسابات الأطراف المختلفة حتى دون اللجوء بالضرورة إلى إغلاق المضيق بصورة كاملة.
وأضافت أن أهمية مضيق هرمز لا تتعلق فقط بما يمكن أن يحدث في حال إغلاقه، وإنما أيضًا بتأثير المخاطر الأمنية المرتبطة بالملاحة على قرارات شركات النقل والتأمين وأسواق الطاقة، موضحة أن ارتفاع مستوى المخاطر في الممرات البحرية يمكن أن يفرض تكلفة اقتصادية وسياسية قبل الوصول إلى أي مواجهة عسكرية مباشرة.
وفي السياق ذاته، أكدت الشافعي أن ورقة النفوذ الإقليمي لا يمكن فصلها عن الساحة اليمنية، حيث يمثل الحوثيون أحد عناصر الضغط غير المباشر المرتبطة بالحسابات الإيرانية في المنطقة، خاصة مع الموقع الاستراتيجي لليمن وإشرافه على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي.
وأشارت إلى أن الربط بين مضيق هرمز وباب المندب يضاعف أهمية ورقة الملاحة في الحسابات الإقليمية، إذ إن أي اضطراب في أحد الممرين أو كليهما لا ينعكس فقط على حركة السفن، وإنما يمتد تأثيره إلى أمن الطاقة وسلاسل الإمداد وتكاليف التأمين والنقل والتجارة الدولية.
وأضافت نهال الشافعي أن أهمية الساحة اليمنية بالنسبة إلى طهران تتجاوز البعد المحلي، إذ تمنحها إمكانية التأثير بصورة غير مباشرة في أحد أهم خطوط الملاحة الدولية، بما يجعل أي تصعيد في اليمن جزءًا من معادلة إقليمية أوسع تتداخل فيها حسابات إيران والولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج والقوى الدولية المعنية بأمن الملاحة.
وأكدت الشافعي أن إيران تستطيع كذلك استخدام شبكة علاقاتها ونفوذها الإقليمي كأداة للردع والضغط غير المباشر، من خلال قدرتها على التأثير في أكثر من ساحة، وهو ما يجعل حسابات واشنطن أكثر تعقيدًا، خاصة أن أي تصعيد في إحدى الساحات قد ينعكس سريعًا على ساحات أخرى مرتبطة بأمن الخليج والبحر الأحمر والطاقة والملاحة.
وأوضحت أن تعدد الجبهات والأطراف يمثل إحدى أهم المزايا الاستراتيجية لإيران، لأنه يرفع تكلفة أي مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، ويجعل التعامل مع طهران لا يقتصر على جبهة واحدة أو مسار عسكري واحد، وإنما يتطلب إدارة مجموعة من الحسابات الأمنية والسياسية والاقتصادية في وقت واحد.
وفيما يتعلق بأمن الطاقة، قالت الشافعي إن النفط والممرات البحرية يمثلان أحد أهم عناصر الضغط غير المباشر في المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، مشيرة إلى أن اضطراب الملاحة أو ارتفاع المخاطر الأمنية في مناطق استراتيجية يمكن أن ينعكس على أسعار الطاقة وتكاليف التأمين والنقل وسلاسل الإمداد، وهو ما يوسع نطاق تأثير الأزمة إلى ما هو أبعد من حدودها الجغرافية.
وحذرت الباحثة السياسية من أن استخدام هذه الأوراق يظل مرتبطًا بحدود دقيقة، لأن إيران، رغم امتلاكها أدوات ضغط متعددة، تحتاج في الوقت نفسه إلى الحفاظ على قدرتها على التحكم في مستوى التصعيد، موضحة أن الانتقال من الضغط المحسوب إلى مواجهة مفتوحة قد يخلق نتائج يصعب على جميع الأطراف السيطرة عليها.
وحول العقوبات والضغوط الأمريكية، قالت الشافعي إن السؤال لا يتعلق فقط بقدرة العقوبات على إضعاف الاقتصاد الإيراني، وإنما بمدى قدرتها على تغيير السلوك السياسي والاستراتيجي لطهران، مشيرة إلى أن الضغط الاقتصادي قد يؤدي في بعض الحالات إلى دفع الطرف المستهدف نحو التسوية، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى تعزيز منطق المواجهة إذا اعتبرت القيادة الإيرانية أن التراجع سيؤدي إلى خسارة أوراقها التفاوضية.
ولفتت إلى أن علاقات إيران مع قوى دولية مثل الصين وروسيا تمنحها بدورها هامشًا إضافيًا للمناورة، وإن كان هذا الهامش لا يعني بالضرورة امتلاك طهران لبديل كامل عن التعامل مع الضغوط الغربية، لكنه يوفر لها مساحات للتحرك اقتصاديًا وسياسيًا ويحد من إمكانية عزلها بصورة كاملة.
وأكدت الشافعي أن التحدي الحقيقي أمام إيران لا يتمثل فقط في امتلاك أوراق ضغط إقليمية، وإنما في قدرتها على تحويل هذه الأوراق إلى مكاسب سياسية ودبلوماسية، موضحة أن قيمة أي ورقة استراتيجية لا تقاس فقط بقدرتها على إحداث الضرر، وإنما بقدرتها على خلق مساحة للتفاوض وتحقيق أهداف سياسية قابلة للاستمرار.
واختتمت نهال الشافعي بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة ستظل مفتوحة على أكثر من سيناريو، بين تصعيد تدريجي ومواجهة غير مباشرة ومحاولات لإعادة فتح مسار تفاوضي بين واشنطن وطهران، مشيرة إلى أن السيناريو الأكثر أهمية ليس بالضرورة الأكثر تصعيدًا، وإنما قدرة الأطراف على تحديد سقف للمواجهة يمنع تحول أدوات الضغط المتبادلة إلى مسار إقليمي واسع يصعب احتواؤه.



