
د جاسم احمد يكتب. دور الأخصائي النفسي في حماية الطلاب من مخاطر المحتوى الرقمي
في ظل التطور الرقمي المتسارع الذي يشهده العالم اليوم، أصبحت الهواتف الذكية وشبكات الإنترنت جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية للطلاب في مختلف المراحل التعليمية. ومع هذا الانفتاح التكنولوجي الكبير، برزت تحديات جديدة تهدد البناء النفسي والتربوي للأبناء، من أبرزها انتشار ما يُعرف بـ”ثقافة الإباحية” بين بعض طلاب المدارس.
وتشير هذه الظاهرة إلى مجموعة من السلوكيات والمفاهيم التي تتشكل لدى الطلاب نتيجة التعرض المتكرر للمحتوى الإباحي أو تداوله بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سواء من خلال مشاهدة المقاطع والصور، أو عبر تبادل محتوى غير لائق بين الأقران، أو حتى تداول ألفاظ ومصطلحات ذات طابع جنسي أصبحت متداولة داخل بعض البيئات الطلابية.
ويرى متخصصون في الصحة النفسية أن انتشار هذه الظاهرة يرتبط بعدة عوامل متشابكة، يأتي في مقدمتها سهولة الوصول إلى الإنترنت دون رقابة فعالة، وضعف الوعي الرقمي لدى الطلاب وأولياء الأمور، إلى جانب غياب الحوار الأسري المفتوح، وتأثير جماعة الأصدقاء، وحب الاستطلاع خلال مرحلتي الطفولة المتأخرة والمراهقة.
ويؤكد الخبراء أن التعرض المتكرر لهذا النوع من المحتوى قد يترك آثارًا نفسية وسلوكية متعددة، منها تشويه المفاهيم المتعلقة بالعلاقات الإنسانية، وتكوين تصورات غير واقعية عن العلاقات العاطفية، فضلًا عن ضعف احترام الخصوصية وزيادة احتمالات السلوكيات غير المناسبة داخل البيئة المدرسية.
كما قد ينعكس الأمر على التحصيل الدراسي من خلال تراجع التركيز، وتشتت الانتباه، وضعف الدافعية نحو التعلم، بالإضافة إلى احتمالية ظهور مشكلات سلوكية مثل التنمر اللفظي أو التحرش أو تداول محتوى ينتهك خصوصية الآخرين.
وفي هذا السياق، يبرز دور الأخصائي النفسي المدرسي باعتباره عنصرًا أساسيًا في التعامل مع هذه الظاهرة من منظور وقائي وعلاجي. ويبدأ دوره من الاكتشاف المبكر للمشكلات السلوكية المرتبطة بالاستخدام غير الآمن للإنترنت، مرورًا بتقديم الدعم والإرشاد النفسي للطلاب، وصولًا إلى تعزيز مهارات ضبط النفس واتخاذ القرار السليم.
ولا يقتصر دور الأخصائي النفسي على التدخل العلاجي فقط، بل يمتد إلى تنفيذ برامج توعوية داخل المدارس تستهدف تعزيز الوعي الرقمي، وترسيخ قيم الاحترام والمسؤولية والخصوصية، إلى جانب توعية الطلاب بمخاطر مشاركة المحتوى غير اللائق عبر الوسائط الإلكترونية.
ويشدد المتخصصون على أن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الظاهرة، من خلال بناء علاقة قائمة على الثقة والحوار، وتقديم توجيه مناسب يتوافق مع المرحلة العمرية للأبناء، مع وضع ضوابط واضحة لاستخدام الأجهزة الإلكترونية والإنترنت داخل المنزل.
كما يُنصح أولياء الأمور عند اكتشاف تعرض الأبناء لمثل هذا المحتوى بتجنب الانفعال أو العقاب الفوري، والتركيز بدلًا من ذلك على الحوار الهادئ لفهم الأسباب الحقيقية وراء السلوك، سواء كانت الفضول، أو تأثير الأصدقاء، أو التعرض غير المقصود عبر الإنترنت.
ويؤكد المتخصصون أن مواجهة ثقافة الإباحية بين طلاب المدارس لا يمكن أن تعتمد على العقاب وحده، بل تحتاج إلى استراتيجية متكاملة تجمع بين الأسرة والمدرسة والمجتمع، وتركز على الوقاية، وبناء الوعي، وتعزيز مهارات التفكير الناقد، وتوفير بيئة آمنة تساعد الطلاب على الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا.
وفي النهاية، تبقى حماية الأبناء من مخاطر العالم الرقمي مسؤولية جماعية تتطلب وعيًا مستمرًا وتعاونًا حقيقيًا بين جميع الأطراف، لضمان نشأة جيل أكثر وعيًا وقدرة على التعامل مع تحديات العصر.



