تصريحات واعية لنقابة الأطباء قد تنقذ أجيالًا.. التعليم الطبي بين التوسع المطلوب والحفاظ على الكفاءة
بقلم سماح محروس
لا شك أن التوسع في إنشاء الجامعات الأهلية والخاصة يمثل أحد المسارات المهمة لاستيعاب الزيادة المستمرة في أعداد الطلاب الراغبين في الالتحاق بالتعليم الجامعي، كما يفتح أبوابًا جديدة أمام طلاب لم تمكنهم درجات الثانوية العامة من الالتحاق بالتخصصات التي يرغبون فيها داخل الجامعات الحكومية.
وهذه إيجابية لا يمكن إنكارها، فزيادة الطاقة الاستيعابية للتعليم الجامعي، وتنويع المؤسسات التعليمية، وتوفير مسارات متعددة أمام الطلاب، كلها أهداف تستحق الدعم إذا ارتبطت بمعايير واضحة للجودة والكفاءة الأكاديمية.
لكن القضية تصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالكليات الطبية والعلمية، فهذه التخصصات ليست مجرد شهادات جامعية يحصل عليها الطالب بعد سنوات من الدراسة، وإنما ترتبط بصورة مباشرة بصحة الإنسان وحياته، وتتطلب مستوى مرتفعًا من التحصيل العلمي والقدرة على الاستيعاب والتدريب والممارسة المهنية.
ومن هنا تأتي أهمية النقاش الدائر حول الحدود الدنيا للقبول ببعض الكليات الطبية في الجامعات الخاصة والأهلية، وضرورة التأكد من أن التوسع في فرص الالتحاق لا يأتي على حساب المستوى العلمي المطلوب من الطالب.
فطالب الطب أو طب الأسنان أو الصيدلة أو غيرها من التخصصات الصحية لا يتعامل بعد التخرج مع أوراق وأرقام فقط، وإنما يصبح مسؤولًا عن تشخيص وعلاج وصحة مواطنين، ولذلك يجب أن تكون الكفاءة العلمية والقدرة على التعلم والتدريب من أهم شروط الالتحاق بهذه الكليات والاستمرار فيها.
ولا ينبغي أن يتحول الاختلاف في نظم القبول بين الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية إلى فجوة كبيرة تجعل المعيار المالي أكثر تأثيرًا من معيار الاستعداد العلمي، لأن العلم لا يمكن أن يكون سلعة يحصل عليها من يستطيع دفع تكلفتها فقط، وإنما مسؤولية تستوجب التأهيل والجدارة.
ومن هذا المنطلق تكتسب التصريحات والمطالبات الصادرة عن ممثلي المهن الطبية بشأن مراجعة ضوابط القبول أهمية خاصة، لأنها تفتح بابًا ضروريًا للنقاش حول مستقبل جودة التعليم الطبي في مصر، ومدى قدرة المؤسسات التعليمية على تخريج أطباء وصيادلة وممارسين صحيين يتمتعون بالكفاءة اللازمة.
والقضية هنا لا يجب أن تتحول إلى هجوم على الجامعات الأهلية أو الخاصة في حد ذاتها، فوجود هذه الجامعات يمكن أن يمثل إضافة قوية للمنظومة التعليمية إذا التزمت بمعايير الجودة، وامتلكت أعضاء هيئة تدريس مؤهلين، ومستشفيات ومعامل ومراكز تدريب حقيقية، ونظم تقييم صارمة تضمن عدم تخرج أي طالب قبل الوصول إلى المستوى المهني المطلوب.
لكن في المقابل، فإن خفض معايير القبول بصورة مبالغ فيها، إن حدث، يجب أن يخضع للمراجعة، خاصة في التخصصات التي ترتبط بأرواح البشر.
تكافؤ الفرص أولوية
ولا ينفصل هذا الملف عن قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي ضرورة توفير فرص عادلة للطلاب المتفوقين، خاصة أبناء الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.
فالطالب المتفوق يجب ألا يشعر أن طريقه إلى التخصص الذي يحلم به أصبح أكثر صعوبة بسبب محدودية الأماكن في الجامعات الحكومية، بينما تظل الفرصة نفسها متاحة لمن يمتلك قدرة مالية أكبر داخل مؤسسات أخرى.
ولهذا فإن الحل الحقيقي لا يكمن في إلغاء الجامعات الأهلية والخاصة، وإنما في التوسع المتوازي في الجامعات الحكومية ورفع طاقتها الاستيعابية، مع الحفاظ في جميع أنواع الجامعات على معايير أكاديمية صارمة وعادلة.
كما ينبغي أن تكون هناك برامج منح حقيقية للطلاب المتفوقين غير القادرين ماديًا، حتى تظل الكفاءة والتفوق هما أساس الحصول على الفرص التعليمية المتميزة.
نتائج الثانوية العامة تحتاج إلى الثقة والشفافية
وفي ظل ما يثار من وقت إلى آخر بين بعض أولياء الأمور والطلاب من تساؤلات وشكاوى حول نتائج الثانوية العامة وطرق التقييم، تظل الشفافية الكاملة أفضل وسيلة لحماية الثقة في منظومة التعليم.
وأي شكاوى جدية بشأن النتائج أو إجراءات التصحيح يجب أن يتم فحصها والتحقيق فيها من الجهات المختصة وإعلان نتائج ذلك بوضوح، دون التسرع في توجيه اتهامات لا تستند إلى أدلة.
فثقة الأسرة المصرية في عدالة منظومة التعليم لا تقل أهمية عن تطوير المناهج أو إنشاء جامعات جديدة.
نحتاج إلى تعليم يبني ولا يهدم
إن مصر تحتاج بالفعل إلى المزيد من الجامعات، وإلى المزيد من الأطباء والعلماء والباحثين والمتخصصين، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى خريجين يمتلكون المعرفة والمهارة والضمير المهني.
فالتوسع الحقيقي لا يقاس بعدد الكليات والمقاعد الدراسية فقط، وإنما يقاس بجودة من يتخرجون منها وقدرتهم على تحمل مسؤولية المهنة.
ومن هنا فإن أي دعوة لإعادة النظر في معايير القبول والتدريب بالكليات الطبية تستحق الدراسة الجادة، ليس بهدف إغلاق الأبواب أمام الطلاب، وإنما لضمان أن من يدخل هذه التخصصات يمتلك القدرة على استكمال الطريق بكفاءة.
التعليم قضية أمن قومي، والتعليم الطبي بصورة خاصة أمانة تتعلق بحياة الناس.
لذلك فإن مستقبل المنظومة يجب أن يقوم على ثلاث ركائز واضحة: تكافؤ الفرص، والكفاءة العلمية، والجودة الصارمة.
فالأمم لا تنهض بحرمان المتفوقين من فرصهم، ولا تنهض كذلك بمنح الشهادات دون مستوى علمي حقيقي، وإنما تنهض عندما تضع الطالب المناسب في المكان المناسب، وتوفر له تعليمًا قويًا، ثم تحاسبه بمعايير عادلة قبل أن تمنحه مسؤولية ممارسة مهنة تمس حياة البشر.
حفظ الله مصر، وحفظ أبناءها، ولتكن الكفاءة والتميز العلمي والمعرفي هما الطريق لبناء أجيال قادرة على صناعة مستقبل أفضل



