أقلام حره

شيرين الشافعى تكتب: الأمن الغذائي المصري.. كيف تُعيد الدولة رسم خريطة الأمان في زمن الأزمات

لم يعد الأمن الغذائي مجرد ملف اقتصادي يُناقش داخل أروقة الوزارات أو على موائد الخبراء، بل أصبح أحد أهم خطوط الدفاع عن استقرار الدول في عالم تتسارع فيه الأزمات وتتشابك فيه السياسة بالاقتصاد والحروب بحركة التجارة العالمية.

ومع تصاعد التوترات الإقليمية واضطراب سلاسل الإمداد الدولية، باتت قدرة الدول على تأمين احتياجات شعوبها من الغذاء معيارًا حقيقيًا لقوة الدولة وصلابة مؤسساتها، وهو ما دفع مصر خلال السنوات الأخيرة إلى التحرك بخطوات واسعة نحو بناء منظومة أكثر قدرة على الصمود في مواجهة المتغيرات العالمية.

فمنذ اندلاع الأزمات العالمية المتلاحقة، بداية من جائحة كورونا مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية وصولًا إلى التوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، أدركت الدولة المصرية أن الاعتماد الكامل على الأسواق الخارجية لم يعد خيارًا آمنًا، وأن حماية المواطن تبدأ من ضمان توافر رغيف الخبز والسلع الأساسية بأسعار مستقرة مهما كانت الظروف.

وفي هذا الإطار، تبنت الدولة استراتيجية متكاملة تقوم على عدة محاور رئيسية، في مقدمتها التوسع في زراعة المحاصيل الاستراتيجية وعلى رأسها القمح، باعتباره السلعة الأكثر ارتباطًا بالأمن الغذائي للمصريين. كما عملت الدولة على استصلاح ملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية عبر مشروعات قومية كبرى مثل الدلتا الجديدة وتوشكى ومستقبل مصر، بهدف زيادة الرقعة الزراعية وتحقيق أعلى معدلات الاكتفاء الذاتي الممكنة.

ولم تتوقف الجهود عند حدود التوسع الزراعي فقط، بل امتدت إلى تطوير منظومة التخزين الحديثة من خلال إنشاء شبكة متطورة من الصوامع، ساهمت في تقليل الفاقد من الحبوب ورفع القدرة التخزينية للدولة بشكل غير مسبوق، بما يعزز من قدرة مصر على تكوين احتياطي استراتيجي آمن يكفي لفترات طويلة في أوقات الأزمات.

وفي ظل عالم سريع التغير، أصبحت التكنولوجيا الزراعية عنصرًا أساسيًا في معادلة الأمن الغذائي، حيث تتجه الدولة إلى دعم البحث العلمي الزراعي، واستخدام نظم الري الحديثة، والتوسع في إنتاج التقاوي المحسنة والسلالات الأعلى إنتاجية، بما يحقق الاستخدام الأمثل للموارد المائية ويزيد من كفاءة الإنتاج الزراعي.

كما يبقى الفلاح المصري شريكًا رئيسيًا في هذه المعركة، إذ لا يمكن تحقيق أمن غذائي حقيقي دون توفير الدعم اللازم للمزارعين، سواء من خلال التيسيرات التمويلية أو ضمان تسويق المحاصيل بأسعار عادلة تشجع على زيادة الإنتاج.

ورغم التحديات الاقتصادية العالمية وارتفاع تكاليف الاستيراد والشحن، نجحت الدولة المصرية في الحفاظ على استقرار الأسواق وتوفير السلع الأساسية، مستفيدة من سياسة تنويع مصادر الاستيراد وعدم الاعتماد على سوق واحدة، إلى جانب الرقابة المستمرة على الأسواق ومنافذ التوزيع.

واليوم، لم يعد الأمن الغذائي قضية رفاهية أو مجرد ملف خدمي، بل أصبح قضية أمن قومي ترتبط بشكل مباشر باستقرار الدولة وحماية المواطن. فالدول التي تمتلك غذاءها، تمتلك قرارها، وتكون أكثر قدرة على مواجهة الضغوط والتقلبات الدولية.

وفي ظل ما يشهده العالم من تغيرات متسارعة، تبدو مصر وكأنها تعيد رسم خريطة الأمان الغذائي بخطوات مدروسة، توازن بين التوسع في الإنتاج المحلي، وتأمين الاحتياطي الاستراتيجي، وتطوير البنية الزراعية، بما يضمن عبور الأزمات بأقل الخسائر ويحافظ على استقرار حياة ملايين المواطنين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock