
مشهد نتائج الثانوية العامة بين فرحة الأمس ومأساة اليوم
بقلم: سماح محروس
تتكرر كل عام مشاهد إعلان نتائج الثانوية العامة، حاملة معها مشاعر متباينة بين فرحة غامرة لطلاب حققوا أحلامهم، وحزن عميق لمن جاءت النتائج أقل من توقعاتهم، رغم ما بذلوه من جهد وما تحمله أولياء الأمور من أعباء مادية ونفسية طوال العام الدراسي.
ولا يخفى على أحد أن هناك حالة من الجدل المجتمعي حول منظومة التعليم الجامعي، خاصة مع التوسع في الجامعات الأهلية والخاصة، وما يراه كثير من أولياء الأمور من ضرورة تحقيق توازن أكبر يضمن تكافؤ الفرص أمام الطلاب، ومراعاة الظروف الاقتصادية للأسر محدودة الدخل، حتى يبقى التعليم وسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية لا عبئًا إضافيًا على المواطنين.
لكن وسط هذه المشاهد، استوقفني أمر آخر لا يقل أهمية. فقد تذكرت احتفالات بعض الطلاب عقب انتهاء الامتحانات، وما صاحبها في بعض الأماكن من مظاهر صاخبة ورقص أمام المدارس والشوارع، بصورة لا تتناسب مع قدسية المؤسسات التعليمية واحترامها. واليوم، وبعد ظهور النتائج، نرى مشاهد الحزن والصدمة والاعتراض من بعض هؤلاء أنفسهم، وكأن الحياة أرادت أن تعلمنا درسًا جديدًا في التروي وعدم استباق الأحداث.
ولست هنا لأنتقد فرحة الطلاب، فمن حق كل إنسان أن يفرح بما أنجز، لكن الفرح يجب أن يكون في إطار من الوعي والاحترام والاتزان. وقد علمتنا الحياة أن النتائج الحقيقية لا تُقاس إلا بعد اكتمال الطريق، وأن التواضع في الفرح والصبر عند الشدة من أعظم القيم التي ينبغي أن نغرسها في أبنائنا.
ويحضرني في هذا المقام قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾، وهي دعوة إلى عدم الغرور أو المبالغة في إظهار الفرح، بل إلى الاعتدال والشكر والتواضع.
إن ما نحتاج إليه اليوم ليس فقط الاحتفاء بالناجحين أو مواساة من لم يحالفهم الحظ، بل مراجعة شاملة لمنظومة التعليم وسياسات القبول الجامعي، بما يحقق العدالة ويكافئ الجهد الحقيقي، ويمنح كل طالب فرصة عادلة لتحقيق حلمه دون أن تكون الإمكانات المادية هي الفيصل.
ومن هنا، فإن الأمر يستحق اهتمامًا جادًا من السادة أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، والعمل مع الجهات المعنية بقطاع التعليم لدراسة التحديات التي تواجه الطلاب وأسرهم، ووضع حلول عملية تضمن الحفاظ على حق الجميع في تعليم عادل يحقق الطموحات ويخدم مستقبل الوطن.
وفي الختام، أبارك من كل قلبي لكل طالب وطالبة نجحوا واجتهدوا، وأسأل الله أن يجبر خاطر كل من لم يحقق النتيجة التي كان يتمناها، وأن يرزق الجميع الخير فيما هو قادم، وأن يوفق أبناءنا إلى مستقبل يليق بطموحاتهم، وأن يظل العلم هو الطريق الحقيقي لبناء الإنسان والوطن



