أقلام حره

الشرق الأوسط على حافة الهاوية: سباق الاستنزاف المحسوب

 

بقلم محمود سيد محمد
المؤسسة المصريه للدراسات السياسية والإستراتيجية

في مشهد إقليمي يموج بالتوتر، تبدو المنطقة وكأنها تُدار من خلف كواليس غير مرئية، حيث تتحرك الأطراف المتصارعة على حافة دقيقة بين الردع والانزلاق إلى حرب شاملة. ما كان قبل أسابيع مجرد “هدنة هشة” تحول، في غضون أيام، إلى احتكاك مباشر متعدد الجبهات. لكن القراءة العميقة للأحداث تكشف أمراً أكثر خطورة: الصراع لم يعد مجرد ردود أفعال عسكرية، بل بات إدارة متعمدة لمسار استنزاف طويل، يراهن فيه كل طرف على قدرته على تحمل الكلفة أكثر من الآخر.

الضربات المشتركة.. تحول في قواعد الاشتباك

في فجر الأربعاء، شنت القوات الأمريكية والسعودية ضربات مشتركة استهدفت “مواقع لوجستية ومستودعات أسلحة” تابعة لفصائل الحشد الشعبي الموالية لإيران في العراق. أسفرت الغارات عن مقتل ما لا يقل عن 20 شخصاً وإصابة 32 آخرين، طالت محافظات متعددة من بغداد وواسط إلى نينوى وكربلاء وديالى. لكن الأكثر دلالة هو ما كشفته صحيفة نيويورك تايمز عن مقتل نحو 20 مستشاراً إيرانياً، بينهم مستشارون فنيون رفيعو المستوى وضباط اتصال من الحرس الثوري الإيراني، في استهداف متعمد.

هذه الضربات لم تكن مجرد رد عسكري على أكثر من ثلاثين هجوماً بالمسيرات استهدفت منشآت الطاقة السعودية خلال 72 ساعة. بل مثلت تحولاً استراتيجياً في قواعد الاشتباك: الانتقال من “الاحتواء الصامت” إلى الرد العلني، ونقل المعركة خارج الحدود بدلاً من انتظارها داخلياً، وتثبيت “خط أحمر” جديد مفاده أن أي تهديد لمنشآت النفط سيقابل برد يتجاوز الجغرافيا.

ثلاث دوائر متداخلة

المشهد المتصاعد اليوم يُدار عبر ثلاث دوائر متداخلة من الضغط والمواجهة:

الدائرة الأولى: إيران واستراتيجية الوكلاء. تستخدم طهران وكلاءها في العراق واليمن لتوسيع الضغط على السعودية وحلفائها دون الدخول في مواجهة مباشرة. ففي اليمن، أطلق الحوثيون صواريخ استهدفت مجمعين نفطيين سعوديين على ساحل البحر الأحمر، وأعلنوا فرض حصار على حركة الملاحة السعودية عبر مضيق باب المندب. وفي العراق، واصلت الفصائل الموالية لإيران هجماتها بالمسيرات على المنشآت النفطية. وقد أوضح محللون أن طهران تسعى إلى “فرض هيمنة على الخليج ومضيق هرمز” أكثر من سعيها إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل.

الدائرة الثانية: السعودية بين الردع والتنمية. تجد المملكة نفسها اليوم في موقف بالغ الصعوبة. أمضت خمسة أشهر تحاول تجنب الانجرار إلى صراع إقليمي، مبقية قنوات الاتصال مفتوحة مع طهران. لكن الهجمات المتكررة على منشآتها النفطية -التي تقلص إنتاجها 600 ألف برميل يومياً- دفعت الرياض إلى تغيير استراتيجيتها. غير أن المخاطر جسيمة: فالانخراط في صراع أوسع قد يكون باهظ التكلفة على مشروع “رؤية 2030” الطموح، الذي انصب تركيز المملكة عليه طوال العقد الماضي.

الدائرة الثالثة: الولايات المتحدة وإدارة الإيقاع. تسعى واشنطن إلى احتواء النفوذ الإيراني دون الانزلاق إلى حرب شاملة. بينما تدفع إسرائيل، بقيادة بنيامين نتنياهو، نحو توسيع المواجهة وتشديد الضغوط على إيران، في ظل محاولة الأخير دفع الإدارة الأميركية نحو تبني خيارات أكثر عدوانية. غير أن واشنطن تتمسك بهامش محدود للدبلوماسية، محاولة الموازنة بين الضغط العسكري والمسار التفاوضي.

لعبة الاستنزاف.. من يدفع الثمن؟

ما يحدث اليوم لا يمكن اختزاله في معادلة “ضربة مقابل ضربة”. إنه اختبار إرادات طويل الأمد:

· هل تستطيع السعودية فرض ردع كافٍ دون التورط الكامل في حرب مفتوحة؟
· هل تنجح إيران في رفع كلفة المواجهة على خصومها دون تجاوز الخطوط الحمراء التي قد تؤدي إلى رد أميركي مباشر؟
· هل تبقى واشنطن في موقع إدارة الأزمة، أم تُدفع إلى مواجهة لا تريدها؟

الخطر الأكبر لا يكمن في لحظة الانفجار الواسع فقط، بل في استمرار حالة الاستنزاف ذاتها. فاستهداف منشآت الطاقة في الشرق، والضغط من الجنوب عبر هجمات البحر الأحمر، وتهديد الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، كلها تشكل خنقاً تدريجياً لمفاصل الاقتصاد العالمي، وليس مجرد توزيع عشوائي للضربات.

أين الخطورة الحقيقية؟

المنطقة دخلت مرحلة جديدة: مرحلة “الرسائل بالنار”، مع الإبقاء على باب التهدئة مفتوحاً شكلياً. لكن التوازن هش للغاية. فأي خطأ صغير في التقدير، أي سوء قراءة لنوايا الطرف الآخر، قد يحول هذا التوازن الدقيق إلى انفجار واسع.

اللافت أن العراق وجد نفسه مجدداً ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، رغم إدانة الرئاسة العراقية للضربات واعتبارها “انتهاكاً صارخاً لسيادة العراق”. وتعهدت الحكومة العراقية بـ”التصدي لأي انتهاك” و”منع” تهديد دول الجوار انطلاقاً من أراضيها، لكن السؤال: هل تملك القدرة على ذلك في ظل النفوذ الإيراني الممتد داخل مؤسساتها؟

خاتمة

السؤال الحاسم الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما نراه الآن هو سقف التصعيد، أم أنه مجرد بداية لمسار أطول من الاستنزاف المنظم؟

الإجابة تتوقف على قدرة الأطراف المعنية على قراءة المشهد بدقة، وتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة قد لا تحقق لأي منها أهدافها الاستراتيجية. ففي النهاية، الخطة التي تبدو ناجحة اليوم -إشعال الجبهات، وتشتيت القرار، وجر المنطقة إلى استنزاف طويل بلا حسم- قد تتحول غداً إلى كابوس لا تستطيع أي من الأطراف السيطرة عليه.

المنطقة تُدار إلى حافة الاشتعال. والسؤال الأهم: من يضبط الإيقاع؟ أم أن الإيقاع هو من سيضبط الجميع؟


محمود سيد محمد
المؤسسة المصريه للدراسات السياسية والإستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock