نهال الشافعي تكتب : حين يصبح الثبات على المبدأ معركة.. لا تستسلم
بقلم: نهال الشافعي
باحثة في العلوم السياسية والاستراتيجية
كل التحية لكل إنسان يتعرض لظروف قاسية في الحياة، ومع ذلك ما زال يحافظ على مبادئه وأخلاقه، ويتمسك بما يؤمن به، رغم كل الضغوط التي تحاصره، ورغم كل محاولات دفعه إلى التراجع أو الاستسلام. كل التحية لكل إنسان وجد نفسه في لحظة من لحظات الحياة مضطرًا للاختيار بين أن يحافظ على ما يؤمن به، وبين أن يسلك طريقًا أسهل وأكثر سرعة، فاختار، رغم صعوبة الطريق، ألا يخسر نفسه.
ففي الحياة، ليست كل المعارك معارك واضحة، وليست كل الانتصارات يمكن أن نراها أو نصفق لها. هناك معارك صامتة يخوضها الإنسان وحده، لا يعرف عنها أحد شيئًا، حين يجد نفسه في مواجهة ظروف قاسية، أو ضغوط متراكمة، أو أشخاص لا يتورعون عن استخدام المال والنفوذ والمصالح من أجل تحقيق أهدافهم، بينما يقف هو أمام كل ذلك متمسكًا بحدود رسمها لنفسه، رافضًا أن يجعل حاجته أو خوفه أو طموحه سببًا في أن يتنازل عن مبادئه.
وهنا تحديدًا تبدأ المعركة الحقيقية؛ فالإنسان لا يُختبر في أوقات الراحة، عندما تكون الحياة مستقرة والأبواب مفتوحة والاختيارات كثيرة، وإنما يُختبر عندما تضيق به الدنيا، ويصبح الطريق المستقيم أكثر صعوبة، بينما يبدو الطريق الآخر أقصر وأسهل وأسرع. يُختبر عندما يرى من حوله أشخاصًا استطاعوا الوصول إلى ما يريدون بالمال أو النفوذ أو الواسطة أو استغلال نقاط ضعف الآخرين، فيبدأ السؤال القاسي في داخله: لماذا أتمسك أنا بمبادئي بينما يتقدم غيري بكل هذه السرعة؟
وهذا السؤال، في الحقيقة، هو أحد أخطر الأسئلة التي يمكن أن يواجهها الإنسان؛ لأن المشكلة لا تبدأ فقط عندما يقرر شخص أن يبيع مبدأه، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما يقتنع بأن التمسك بالمبدأ أصبح نوعًا من السذاجة، وأن النزاهة لم تعد طريقًا صالحًا للحياة، وأن من يريد أن ينجح عليه أن يتنازل، ولو قليلًا، ثم يتنازل مرة أخرى، حتى يجد نفسه في النهاية قد ابتعد تمامًا عن الشخص الذي كان عليه.
ولعل أخطر ما يفعله الفساد أنه لا يكتفي بأن يحقق مصالحه، وإنما يحاول أحيانًا أن يغيّر مفهوم الناس عن الصواب والخطأ، فيجعل الخطأ مألوفًا، والاستقامة استثناءً، والنزاهة شيئًا مثاليًا لا يصلح للحياة الواقعية. وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، يصبح الإنسان الشريف هو الذي يشعر بأنه غريب، ويصبح صاحب المبدأ هو الذي يحتاج إلى أن يبرر لماذا لم يفعل مثل الآخرين، وكأن الالتزام بالأخلاق أصبح موقفًا يحتاج إلى تفسير.
وهنا تكون الخسارة الحقيقية، لأن المجتمعات لا تنهار فقط عندما ينتشر الفساد، وإنما تبدأ في الانهيار عندما يتوقف الناس عن مقاومته، وعندما يتحول الخطأ من شيء مرفوض إلى شيء معتاد، وعندما يصبح السؤال عن كيفية الحصول على الحق أقل أهمية من السؤال عن مقدار المال الذي يمكن دفعه للوصول إليه.
وقد يبدو الفساد في بدايته مجرد تصرفات فردية؛ شخص يدفع ليحصل على ما لا يستحق، وآخر يستخدم نفوذه لتجاوز القواعد، وثالث يلتزم الصمت لأنه يخشى على مصلحته، ورابع يرى الخطأ أمامه لكنه يقرر ألا يتدخل. لكن هذه التصرفات، عندما تتكرر، لا تبقى فردية إلى الأبد، وإنما تتحول مع الوقت إلى ثقافة، والثقافة عندما تترسخ تصبح أخطر من أي مخالفة منفردة، لأنها تجعل الناس يتعاملون مع الخطأ باعتباره جزءًا طبيعيًا من الحياة.
ومن هنا، فإن الحفاظ على المبادئ والأخلاق لا يمكن أن يُنظر إليه باعتباره قضية شخصية فقط، وإنما هو قضية لها أبعاد اجتماعية وسياسية واستراتيجية أيضًا. فالدولة القوية لا تقوم بالقوانين وحدها، ولا بالمؤسسات وحدها، وإنما تحتاج إلى منظومة قيم تحمي هذه القوانين والمؤسسات من الداخل. يمكن للقانون أن يضع العقوبة، ويمكن للمؤسسات أن تراقب، لكن لا يمكن لأي دولة أن تضع حارسًا على ضمير كل إنسان، ولهذا تظل الأخلاق هي خط الدفاع الأخير.
فالاستقامة ليست مجرد فضيلة شخصية يعيش بها الإنسان بعيدًا عن الآخرين، وإنما هي جزء من قدرة المجتمع على الاستمرار. وكلما زاد عدد الأشخاص الذين يرفضون شراء حقوقهم بالمال، أو بيع ضمائرهم من أجل مصلحة، أو استخدام نفوذهم لإقصاء غيرهم، أصبح المجتمع أكثر قدرة على مقاومة الفساد، وأكثر قدرة على بناء مؤسسات تقوم على الكفاءة والعدالة، لا على العلاقات والمصالح الضيقة.
لكن المشكلة أن الإنسان المستقيم قد يدفع أحيانًا ثمنًا باهظًا لاستقامته. قد يخسر فرصة لأنه رفض أن يدخل في صفقة لا تليق به، وقد يتعرض للتهميش لأنه لم يقبل أن يساير الخطأ، وقد يتعرض للتشويه لأن وجوده نفسه يزعج أصحاب المصالح، وقد يجد نفسه في مواجهة محاولات مستمرة لإحباطه وإقناعه بأن ما يفعله لا قيمة له. وهنا يجب أن ينتبه الإنسان إلى واحدة من أخطر الحيل النفسية التي يمكن أن يقع فيها، وهي أن يسمح لمن ظلمه بأن يعيد تشكيله على صورته.
إذا تعرضت للظلم، فلا تتحول إلى ظالم. وإذا تعرضت للخداع، فلا تصبح مخادعًا. وإذا حاول أحدهم تشويه سمعتك، فلا تسمح له بأن يشوه أخلاقك. وإذا حاول شخص أن يدفعك إلى اليأس، فلا تمنحه انتصارًا إضافيًا بأن يجعلك تفقد إيمانك بنفسك وبما تؤمن به. فأحيانًا يكون أقوى رد على من حاول إسقاطك هو أن تظل ثابتًا، وأن ترفض أن تتحول إلى نسخة من الشخص الذي رفضت أفعاله من البداية.
قد يكون من السهل أن نقول للإنسان: لا تستسلم، لكن الحقيقة أن عدم الاستسلام ليس قرارًا بسيطًا عندما يكون الإنسان تحت ضغط مستمر. فالإنسان قد يمر بظروف تجعله يشعر بأنه وحده، وقد يرى أشخاصًا أقل منه جهدًا يصلون قبله، وقد يشاهد من اختاروا الطرق الملتوية يحققون مكاسب أسرع، وقد يسأل نفسه في لحظة ضعف: هل كنت مخطئًا عندما تمسكت بمبادئي؟
والإجابة هي: لا.
لا تجعل سرعة الآخرين معيارًا لحياتك، فليست كل الطرق القصيرة تؤدي إلى أماكن آمنة، وليست كل المكاسب السريعة انتصارات حقيقية. هناك مكاسب يحصل عليها الإنسان بسرعة، لكنه يقضي عمره كله في دفع ثمنها، وهناك خسائر تبدو مؤلمة في لحظتها، لكنها تحمي الإنسان من خسارة أكبر بكثير. قد تخسر منصبًا، لكنك لا تخسر نفسك. وقد تخسر فرصة، لكنك لا تخسر احترامك لذاتك. وقد تتأخر في الوصول، لكنك تصل وأنت قادر على النظر إلى نفسك دون خجل، وهذه في حد ذاتها ليست خسارة.
إننا نعيش في زمن أصبح فيه المال قادرًا على فتح أبواب كثيرة، وأصبح النفوذ قادرًا على تغيير مسارات، وأصبح بعض الناس يتعاملون مع كل شيء تقريبًا باعتباره قابلًا للبيع والشراء. لكن مهما اتسعت دائرة ما يمكن أن يشتريه المال، ستظل هناك أشياء لا يستطيع المال أن يشتريها. يمكن أن تشتري منزلًا، لكنك لا تستطيع أن تشتري الطمأنينة، ويمكن أن تشتري منصبًا، لكنك لا تستطيع أن تشتري الاحترام الحقيقي، ويمكن أن تشتري شهرة، لكنك لا تستطيع أن تشتري محبة الناس، ويمكن أن تشتري الصمت، لكنك لا تستطيع أن تشتري الحقيقة إلى الأبد. والأهم من ذلك كله أنك قد تستطيع أن تشتري صورة عن نفسك أمام الآخرين، لكنك لن تستطيع أن تخدع ضميرك إلى الأبد.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين من يملك المال ومن لا يملكه، وإنما بين من يملك المال ويظل هو سيد قراراته، وبين من يتحول المال إلى سيد عليه. وليست المعركة بين من يمتلك النفوذ ومن لا يمتلكه، وإنما بين من يستخدم نفوذه لحماية الحق، ومن يستخدمه لإلغاء حقوق الآخرين.
وفي هذا السياق، تصبح الأخلاق نوعًا من القوة الناعمة التي تحمي المجتمع من التفكك. فالمجتمع الذي تنتشر فيه مظاهر الفساد، ويشعر أفراده بأن بعض الأشخاص يحاولون الوصول إلى مصالحهم من خلال المال والنفوذ بدلًا من الطرق المشروعة، قد تتزايد داخله مشاعر الإحباط، ويبدأ البعض في الاعتقاد بأن النجاح لا يتحقق إلا بالطرق الملتوية، وأن الالتزام بالقواعد أصبح عبئًا على صاحبه. ومن هنا تأتي أهمية ترسيخ قيم النزاهة واحترام القانون، وتعزيز ثقافة تكافؤ الفرص، حتى يظل الطريق المشروع هو الطريق الطبيعي للنجاح، وتبقى الكفاءة والعمل الجاد هما الأساس في الوصول إلى المواقع التي يستحقها أصحابها.
ومن هنا يمكن فهم الاستقامة باعتبارها أكثر من مجرد فضيلة فردية؛ إنها رصيد استراتيجي لأي مجتمع يريد أن يبني مستقبلًا مستقرًا. لأن الدولة التي تريد أن تواجه الفساد لا تحتاج فقط إلى قوانين أكثر صرامة، وإنما تحتاج أيضًا إلى أجيال لا ترى الفساد أمرًا طبيعيًا، ولا تعتبر النزاهة ضعفًا، ولا تنظر إلى الالتزام بالقانون باعتباره سذاجة.
إن مواجهة الفساد تبدأ من المؤسسات، لكنها لا تنتهي عندها. تبدأ بالقانون، لكنها تحتاج إلى ضمير. وتبدأ بالمحاسبة، لكنها تحتاج إلى ثقافة ترفض أن يصبح الفساد أسلوب حياة. ولهذا فإن الإنسان الذي يتمسك بمبادئه، رغم كل ما يواجهه من ضغوط، لا يحمي نفسه فقط، وإنما يحافظ على جزء من قدرة المجتمع على المقاومة.
قد لا يغير شخص واحد العالم، لكنه يستطيع أن يرفض أن يكون جزءًا من الخطأ. وقد لا يستطيع أن يمنع كل أشكال الفساد، لكنه يستطيع أن يقرر ألا يشارك فيها. وقد لا يستطيع أن يوقف كل من يحاول تشويه صورته، لكنه يستطيع أن يجعل أفعاله هي الرد الأقوى.
وهنا يجب أن نتوقف أمام فكرة مهمة: لا تسمح للظروف أن تقنعك بأنك بلا قيمة، ولا تسمح لمن فشلوا في إسقاطك أن يقنعوك بأن النجاح لا يأتي إلا بالتنازل. لا تسمح للمال أن يجعلك تبيع ما لا يُشترى، ولا تسمح للنفوذ أن يجعلك تنسى أن هناك حدودًا لا يجب تجاوزها، ولا تسمح لليأس أن يقنعك بأن الخير لا جدوى منه.
فربما لا ترى نتيجة موقفك اليوم، وربما لا تحصل على المكافأة التي كنت تنتظرها، وربما يبدو لك أن الآخرين سبقوك، لكنك لا تعرف أبدًا حجم الأثر الذي يتركه ثباتك فيمن حولك. ربما يرى شاب صغير موظفًا يرفض الرشوة، فيتعلم أن النزاهة ليست ضعفًا، وربما يرى إنسان شخصًا يرفض أن يظلم غيره من أجل مصلحته، فيدرك أن هناك من لا يزال يؤمن بالحق، وربما يكون ثباتك في لحظة واحدة سببًا في أن يقرر شخص آخر ألا يستسلم. وهكذا تنتقل المبادئ من إنسان إلى آخر، ليس بالكلام، وإنما بالفعل.
وفي النهاية، كل التحية لكل إنسان ما زال يقاوم، ولكل من تعرض للظلم ولم يتحول إلى ظالم، ولكل من تعرض للخداع ولم يصبح مخادعًا، ولكل من خسر فرصة لأنه رفض أن يدفع ثمنًا لا يليق به، ولكل من تعرض للتشويه ولم يسمح لذلك أن يشوه أخلاقه، ولكل إنسان ضاقت به الحياة، وكثرت عليه الضغوط، وشعر في لحظة ما أن الاستسلام ربما يكون أسهل من المقاومة.
أقول له: لا تستسلم. قد لا تستطيع أن تغير كل شيء، لكنك تستطيع أن تختار من تكون. وقد لا تستطيع أن تمنع الآخرين من الفساد، لكنك تستطيع أن تمنع الفساد من أن يسكن داخلك. وقد لا تستطيع أن تمنع من يحاولون إحباطك، لكنك تستطيع ألا تمنحهم القدرة على تحديد مستقبلك. وقد تتأخر، وقد تتعثر، وقد تخسر بعض المعارك، لكن لا تسمح لنفسك أن تخسر المعركة الأهم؛ معركة أن تبقى أنت.
ففي النهاية، قد يستطيع المال أن يشتري أشياء كثيرة، وقد يستطيع النفوذ أن يفتح أبوابًا مغلقة، وقد يستطيع الفساد أن يصنع مكاسب مؤقتة، لكن هناك شيئًا واحدًا لا يمكن شراؤه مهما كان الثمن: أن تبقى إنسانًا نقيًا في زمن حاول أن يقنعك بأن النقاء خسارة.
وهنا تحديدًا، لا تكون الاستقامة مجرد فضيلة شخصية، بل تصبح موقفًا، ويصبح الثبات على المبدأ فعل مقاومة، ويصبح رفض الاستسلام انتصارًا صامتًا لا يراه الجميع، لكنه يصنع الفارق الحقيقي.
فليس المهم كم مرة حاولوا أن يسقطوك، وليس المهم كم مرة حاولت الظروف أن تدفعك إلى الخلف، وليس المهم كم شخصًا حاول أن يشوه صورتك أو يقلل من قيمتك. المهم في النهاية أن تظل واقفًا، وأن تظل مؤمنًا بما أنت عليه، وأن تحافظ على مبادئك وأخلاقك، وأن تعرف أن الإنسان قد يخسر أشياء كثيرة في هذه الحياة، لكنه إذا حافظ على نفسه، فإنه لم يخسر كل شيء، بل ربما يكون قد ربح أهم شيء على الإطلاق.



