
افتتاح الأوكتاجون.. حين تلتقي القوة الصلبة بفرحة المونديال
كتب الدكتورة/ مايسة خليل حسن
المدير التنفيذي لمركز الرؤية للدراسات السياسية والاستراتيجية
يرفع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اليوم الرابع من يوليو 2026،علم مصر إيذاناً بافتتاح “الأوكتاجون”، أكبر مقر للقيادة الاستراتيجية في الشرق الأوسط، في مشهد يعكس تحولاً جذرياً في مفهوم القوة المصرية، وتوظيفاً متكاملاً لأدوات الردع والتأثير في زمن تتغير فيه قواعد اللعبة الإقليمية والعالمية. حيث يأتي هذا الافتتاح بعد ساعات فقط من فرحة كروية تاريخية، حين تأهل منتخب مصر إلى دور الـ16 بكأس العالم للمرة الأولى في تاريخه، ليكتمل بذلك مشهد وطني استثنائي، تلتقي فيه القوة الصلبة بالقوة الناعمة، وتتأكد فيه حقيقة أن مصر تمضي قدماً بخطى واثقة نحو مستقبل تليق به ريادتها.
يعكس الأوكتاجون نقلة نوعية في التسليح النوعي ومنظومة القيادة والسيطرة، حيث يمثل المقر الجديد، الذي يضم 13 منطقة استراتيجية وأحدث مراكز البيانات وأنظمة الاتصالات المؤمنة، تحولاً في فلسفة الدفاع عن الدولة. ففي عصر الحروب السيبرانية وحروب الجيلين الرابع والخامس، فلم تعد القوة تقاس بعدد الجنود أو الدبابات، بل بقدرة الدولة على إدارة المعلومات، وحماية بياناتها، واتخاذ القرار بسرعة فائقة. الأوكتاجون هو التجسيد الحي لهذه الفلسفة، والمكان الذي تتكامل فيه جميع المؤسسات السيادية تحت سقف واحد، ليصبح عقل الدولة النابض، القادر على استباق التهديدات، وإدارة الأزمات، وضمان استمرارية العمل حتى في أحلك الظروف.
يمثل هذا الافتتاح تتويجاً لتحول استراتيجي في تموضع مصر الإقليمي، حيث لم تعد القاهرة مجرد لاعب في المعادلات الإقليمية، بل أصبحت صانعة لها، ومركز ثقل لا يمكن تجاوزه. في منطقة تشهد تحولات كبرى، وإعادة ترتيب للأوراق، وصراعاً على النفوذ بين القوى الكبرى، تقدم مصر نفسها كنموذج للدولة القوية المستقرة، القادرة على حماية مصالحها، والتأثير في محيطها، وبناء تحالفات متوازنة مع كل الأطراف. الأوكتاجون ليس مجرد مبنى، بل هو رسالة إلى العالم بأن مصر تمتلك أدوات الردع الحديثة، ومستعدة لمواجهة أي تحدٍ، مهما كان حجمه أو مصدره.
على الجانب الآخر لم تأتِ فرحة المونديال من فراغ، بل كانت انعكاساً لحالة وطنية أوسع، وشهادة على نجاح الدولة في بناء إنسان قادر على المنافسة، وشعب موحد حول أهدافه. وما فعله منتخب مصر في مونديال 2026، حين تأهل لدور الـ16 في الثالث من يوليو بقيادة المدرب الفني الوطني واللاعب السابق الكابتن حسام حسن، الذي رفع علم فلسطين في قلب ملعب دالاس الأمريكي وبإهدائه الفوز للشعب الفلسطيني، تجاوز كونه إنجازاً رياضياً، ليتحول إلى رسالة سياسية مؤثرة، تعكس عمق الانتماء القومي المصري، وتؤكد أن القوة الناعمة المصرية قادرة على الوصول إلى حيث لا تصل الصواريخ والجيوش. فهذا الإنجاز الكروي، الذي جمع المصريين حول علم واحد، وأسعد الملايين في الوطن العربي، هو استثمار في مستقبل مصر، لأنه يبني جيلاً واثقاً من نفسه، فخوراً بوطنه، قادراً على حمل رايته في كل المحافل.
يجسد افتتاح الأوكتاجون توكيدا على إعادة تموضع مصر في محيطها الإقليمي والعالمي، حيث لم تعد القاهرة مجرد قوة إقليمية محورية، بل أصبحت قوة عالمية تخطب ودها كبرى الدول. ففي عهد الرئيس السيسي، أرست مصر مبدأ الاتزان الاستراتيجي، ومدت جسور التعاون مع الجميع، من واشنطن إلى موسكو إلى بكين، ومن باريس إلى نيودلهي وأفريقيا، في رؤية شاملة جعلت من مصر شريكاً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة دولية. وهذا التموضع الجديد لم يكن ليتحقق لولا منظومة القوة الشاملة التي تمتلكها مصر اليوم، والتي يتصدرها جيش يعد واحداً من أقوى جيوش العالم، كما تشير بيانات موقع “غلوبال فاير باور” الذي يصنف القوات المسلحة المصرية في المرتبة 13 عالمياً لعام 2026، والأولى عربياً وإفريقياً، بقوة بشرية تقترب من 1.2 مليون جندي، وأسطول جوي يضم 1088 طائرة، وقوات برية تمتلك 3620 دبابة، وأسطولاً بحرياً من 149 قطعة بحرية، وقوات نظامية تتجاوز 430 ألف جندي.
لا تقل القوة الناعمة المصرية تأثيراً في المقابل، حيث تصدرت مصر قائمة الدول الإفريقية في مؤشر القوة الناعمة العالمي لعام 2026 الصادر عن مؤسسة “براند فاينانس”، محتلة المرتبة 40 عالمياً، ومتفوقة على جنوب إفريقيا والمغرب. فلم يأتِ هذا التصنيف من فراغ، بل هو حصاد لاستراتيجية واعية أدركت أن القوة الحقيقية لا تقوم على الردع وحده، بل على القدرة على التأثير في العقول والقلوب. فمصر تمتلك إرثاً حضارياً يمتد لآلاف السنين، وهو ما يجعلها ليست مجرد دولة في المنطقة، بل ذاكرة للإنسانية جمعاء. صوتها السياسي مسموع في كل محفل دولي، ومواقفها الثابتة تجاه القضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، تجعل منها قبلة للضمير العربي. إعلامها ومنتجاتها الثقافية تصل إلى كل بيت عربي، من المحيط إلى الخليج، تحمل معها صورة مصر الجديدة: وطن يبنى، وشعب يصنع المجد، وقيادة تستشرف المستقبل. هذا المزيج بين العمق التاريخي والحضور المعاصر هو ما يجعل القوة الناعمة المصرية أداة نفوذ لا تقل فاعلية عن أحدث طائراتها أو دباباتها، بل ربما تفوقها في زمن تتعدد فيه أدوات التأثير وتتشابك فيه ساحات الصراع.
ما يحدث اليوم في مصر يتجاوز حدود الإنجاز الفردي، ليعبر عن حالة وطنية جامعة، حيث يلتقي افتتاح الأوكتاجون بتأهل المنتخب، وتتكاتف القوة الصلبة والقوة الناعمة، وتتحد جهود الدولة وإرادة الشعب. فوسط عالم تتغير فيه موازين القوى، وتتشابك فيه التهديدات، تثبت مصر أنها قادرة على المزج بين أدوات القوة المختلفة، لتكون قوة إقليمية وعالمية لا يمكن تجاهلها. وفي يومين متتاليين، جمعت مصر بين حدثين: حدث يؤكد قدرتها على الردع، وحدث يؤكد قدرتها على الإلهام. وفي كليهما، كانت الرسالة واحدة: مصر تمضي قدماً، ولا تتوقف، ولا تتراجع.



