أقلام حره

عقول خلف الشاشات و تكتيكات الملاحة البديلة كيف يقود الذكاء الاصطناعي حرب الملاحة البديلة؟ كيف يعيد الذكاء الاصطناعي صياغة الحروب في زمن “حجب الـ GPS”؟

بقلم د.علا محمود معوض

استشارى التحول الرقمى والتحليل المكانى والذ كاء الاصطناعى

محاضر فى نظم معلومات الاعمال بالجامعات

تشهد المنطقة في الآونة الأخيرة تصاعداً غير مسبوق في عمليات التشويش واسع النطاق على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) .هذا التكتيك، الذي تتبناه الجيوش كخط دفاعي لخلط أوراق العدو وتحييد خطر الطائرات المسيرة والصواريخ الذكية، لم يعد مجرد تشويش عابر؛ بل تحول إلى حرب إلكترونية مفتوحة شلت حركة الملاحة المدنية والعسكرية على حد سواء، مما فرض واقعاً تقنياً جديداً يبحث فيه الجميع عن بدائل فورية وقابلة للتطبيق.

في هذا السياق المعقد، برز الذكاء الاصطناعي (AI) ليس كأداة تكميلية، بل كركيزة أساسية لكسر هذا الحصار الرقمي وإعادة ابتكار مفهوم الملاحة وتوجيه الأسلحة. لم تعد الأنظمة العسكرية الحديثة تعتمد بشكل أعمى على الإشارات القادمة من الأقمار الصناعية التي يسهل إغراقها بالضوضاء، بل أصبحت تعتمد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تمنح الآليات والمسيرات القدرة على “التفكير” الذاتي وتحديد مواقعها بشكل مستقل تماماً عن أي شبكة خارجية.وتأتي تقنية “الملاحة البصرية الذكية” (Visual Odometry) كواحدة من أبرز الحلول التي يقدمها الذكاء الاصطناعي في هذا الصدد لتعويض غياب الـ GPS. تعتمد هذه التقنية على تزويد الطائرات بكاميرات بصرية وحرارية متطورة مرتبطة بشبكات عصبية عميقة، حيث تقوم برصد التضاريس الأرضية والمباني ومقارنتها فورياً بخرائط قمر صناعي مخزنة مسبقاً في ذاكرة النظام. ويتميز الذكاء الاصطناعي هنا بقدرته على التعرف على المسارات بدقة حتى لو تغيرت معالم الأرض نتيجة الدمار، أو تعاقب الفصول، أو انخفاض الإضاءة ليلاً.علاوة على الرؤية البصرية، تمكن الذكاء الاصطناعي من استغلال الطبيعة الجغرافية لكوكب الأرض عبر تقنية “الملاحة المغناطيسية الكمية” (Quantum Magnetic Navigation). تعتمد هذه التقنية البديلة على قراءة البصمة المغناطيسية الفريدة الناتجة عن قشرة الأرض وباطنها، والتي تختلف من نقطة إلى أخرى؛ وحيث إن إشارات المغناطيسية الأرضية ضعيفة ومشوشة بفعل محركات الطائرة نفسها، يتدخل الذكاء الاصطناعي لتصفية هذه الضوضاء بدقة ومقارنة التوقيع المغناطيسي بالخرائط العالمية، وهو نظام يمتاز باستحالة التشويش عليه من قِبل منظومات الحرب الإلكترونية الأرضية.

من ناحية أخرى، لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على البحث عن بدائل، بل يمتد لتطوير أنظمة حماية ومقاومة التشويش (Anti-Jamming) على إشارات الـ GPS الحالية. من خلال الهوائيات الذكية متعددة القنوات، تستطيع خوارزميات التعلم الآلي تحليل الإشارات اللاسلكية الواردة فوراً، وتمييز الإشارة الحقيقية الضعيفة القادمة من الفضاء عن الإشارات المزيفة القوية التي تبثها محطات التشويش الأرضية، ومن ثم يقوم النظام برمجياً بحجب اتجاه التشويش والتركيز فقط على الزاوية الآمنة للقمر الصناعي.ولمواجهة مشكلة الانحراف في أنظمة الملاحة القصور الذاتي (INS) المعتمدة على الجيروسكوبات ومقاييس التسارع الداخلية، قدم الذكاء الاصطناعي حلولاً تصحيحية حاسمة. فالأنظمة التقليدية تعاني من تراكم الأخطاء بمرور الوقت (Drift)، مما يضعف دقة تحديد الموقع كلما طالت مدة الطيران بدون GPS. لكن، عبر تدريب النماذج الذكية على التنبؤ بهذا الانحراف بناءً على أنماط الحركة السابقة والظروف الجوية، يتم تصحيح المسار ديناميكياً والحفاظ على دقة التوجيه لساعات طويلة. على الصعيد الاستخباراتي، يُستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة هجومية ودفاعية في آن واحد لرصد جغرافيا التشويش ونقاط ضعفه. من خلال معالجة البيانات الضخمة (Big Data) الواردة من الطائرات المدنية، السفن، وأجهزة الاستقبال الأرضية، يستطيع الـ AI تحديد الأماكن التي تعرضت للتلاعب بالإشارة أو التزييف (Spoofing). تتيح هذه المعالجة رسم خارطة حرارية حية ومباشرة لمصادر التشويش، مما يسمح للمخططين العسكريين بتفادي تلك المناطق أو استهداف محطات الحرب الإلكترونية التي تبث الضوضاء.

توصياتى بناءً على هذا التحول الجذري في جيوسياسية الحروب الإلكترونية، نوصي بضرورة الإنهاء الفوري للاعتماد الأحادي على نظام الـ GPS، والتحول نحو استراتيجية “الملاحة الهجينة المستقلة” التي توظف خوارزميات الذكاء الاصطناعي لدمج الملاحة البصرية، والبصمات المغناطيسية الكمية، وأنظمة القصور الذاتي المصححة ذاتياً. ويتطلب هذا التحول توطين تطوير البرمجيات وشبكات الرؤية الحاسوبية محلياً لضمان السيادة الرقمية، مع ضرورة نقل تكنولوجيات الهوائيات الذكية ومضادات التزييف (Anti-Spoofing) إلى قطاع الملاحة المدنية لحماية الأجواء.

ختاماً، يجب تفعيل منصات تحليل البيانات الضخمة لرسم خرائط حرارية ديناميكية لمصادر التشويش وتفاديها، وتوجيه البحث الأكاديمي نحو دمج علوم الحاسوب بالفيزياء الكمية؛ فالتفوق في الحروب الحديثة لم يعد حكراً على من يملك العتاد الأقوى، بل لمن يمتلك الخوارزمية الأكثر ذكاءً وقدرة على التكيف والتطور وسط الضباب الإلكتروني. إن هذا التحول يبرهن على أن التفوق في الحروب الحديثة لم يعد حكراً على من يملك التكنولوجيا الأقوى، بل لمن يمتلك البرمجيات الأكثر ذكاءً وقدرة على التطور التلقائي وسط الضباب الإلكتروني

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock