
مدحت الحلفاوي يكتب. حين هدأ الضجيج
.في لحظة لا يشبهها شيء لا يأتي الندم كعاصفة كما يظن الناس بل كهدوء ثقيل يهبط على الروح بعد أن تتعب من الركض خلف كل ما كان يلمع.
لم يعد المشهد كما كان ولا الضجيج الذي كان يملأ الرأس بصوت التصفيق ولا الصورة التي كانت تبدو مكتملة في عينيه… كل شيء أصبح أبسط مما كان وأصدق مما كان يرى من قبل.
كأنه لأول مرة لا يعيش داخل فكرة البطل ولا داخل خوف السقوط بل يقف فقط كإنسان تأخر في فهم ما كان قريبا جدا منه.
لم تعد القضية أن هناك خطأ كبيرا حدث بل أن أشياء صغيرة لم تر في وقتها كانت هي كل الحقيقة.
ابتسامة مرت ولم يفهم معناها وصمت طال ولم يقرأ كما يجب ويد كانت تقترب ثم تتراجع بصمت لا يطلب تفسيرا.
الآن فقط بعد أن خفت كل الأصوات أصبح كل تفصيل بسيط أعلى من أي صخب مضى.
وتلك هي المفارقة القاسية أن الحقيقة لا تأتي بصوت عال بل تأتي حين يهدأ كل شيء.
لم يعد يحاكم نفسه كما كان يفعل في البداية لأن الإدانة الصاخبة لا تصنع وعيا بل تصنع ألما فقط.
بدأ يفهم أن الإنسان لا يسقط دفعة واحدة بل يتدرج في الغياب عن الوعي وهو يظن أنه حاضر أكثر من اللازم.
ربما لم يكن بطلا كما ظن وربما لم يكن خائنا كما قد يظن الآن
كان فقط إنسانا انشغل بالصورة حتى فقد التفاصيل.
وهنا تحديد بدأ الفهم الحقيقي أن بعض الخسارات لا تستعاد لكن يمكن أن تفهم
وأن الفهم المتأخر رغم وجعه قد يكون الشكل الوحيد الممكن من الإنصاف.
لم يعد يبحث عن اعتذار يصل ولا عن زمن يعود بل عن معنى يجعل ما حدث أقل عبثا وأكثر قابلية لأن يحتمل.
وفي عمق هذا الصمت أدرك شيئا بسيطا لكنه ثقيل أن الحياة لا تعطي إنذارات واضحة دائما وأن أجمل ما فيها كان يمر أحيانا بلا ضجيج بينما كان هو منشغلا بكل ما هو أعلى صوتا.
وهكذا لم تنته القصة باعتذار ولا بانتصار ولا بعقاب
بل انتهت إلى وعي هادئ متأخر يشبه الضوء الذي يأتي بعد انطفاء كل شيء فيكشف ما كان موجودا طوال الوقت دون أن يرى.
واليوم حين هدأ الضجيج تماما وانطفأت الأضواء التي لا تدوم لم يتبق في الكف إلا التفاصيل صمت تحول إلى دعاء مستمر وروح غادرت لكن ترك في الوجدان أثر لا يمحوه غياب.
لقد أدرك الأمر متأخرا فكان بمثابة العودة إلى الذات والولادة الجديدة لرؤية عرف بها أخيرا كيف تنصف الحقيقة وتقرأ ملامح الصدق.
فسلاما على الأرواح الساكنة في صمتها ولها من القلوب خالص العهد والدعاء.
اللهم اجعل قلوبنا ترى الحقيقة في وقتها وارزقنا رحمة لا تصل متأخرة.
اللهم لا تجعلنا نفيق الا على نور الفهم ولا تترك قلوبنا اسيرة الغفلة حتى لا يفوتنا ما لا يعوض.



