
مدحت الحلفاوي يكتب: العاشرة والنصف… حيث بدأ الحلم
ليست كل التواريخ تنسى ولا كل اللحظات تمر كغيرها.
هناك أوقات تظل محفورة في الذاكرة كأن الزمن تعمد أن يترك فيها شيئاً منا لا يغادرنا أبداً. لحظات لا تقاس بالدقائق بل بما تزرعه في الروح من أثر يغير ملامح القلب إلى الأبد.
في تلك الليلة وحين كانت الساعة تقترب من العاشرة والنصف مساء لم يكن الأمر مجرد لقاء عابر بل كان اقتراباً من قدرٍ تشكل في صورة حلم. كان الحوار دافئاً وممتداً.. كأن الأرواح تحاول تعويض عمرٍ تأخر أو كأن معرفة قديمة قررت أن تستيقظ فجأة لتنفض غبار السنين عن قلوب أضناها الانتظار.
ومع إشراقة الصباح التالي ولد اعتراف رقيق بالحب جاء خافتاً كهمس النسيم لكن القلب التقطه كأول برهان حقيقي على أن للحياة وجهاً آخر أجمل.
منذ ذلك الحين لم تعد الأيام مجرد أرقام بل صار لكل انتظار معنى ولكل كلمة وزن مختلف وتواعدنا أن يظل النقاء هو دستور الطريق مهما طالت المسافات.
لكن الأقدار لا تكتب دائماً بأقلام أمانينا فالحياة مدرسة قاسية لا تمنح شهاداتها إلا بعد اختبارات الصبر… ببطءٍ تسلل التغيير واتسعت الفجوات وبهت الإحساس الذي كان يوماً جلياً حتى صار ضبابياً حتى جاءت اللحظة التي افترق فيها الطريقان ليعود كل طرف يحمل جزءاً من الحكاية وعاد القلب محملاً بما هو أثقل: خيبة أمل وأسئلة بلا إجابات ومرارة لم تكن في الحسبان.
وهنا تعلمت.. أن انكسار الحلم ليس نهاية العالم بل هو ولادة جديدة لإنسان أكثر نضجاً. فالمعدن الأصيل لا تزيده النيران إلا صلابة والقلب الذي عرف كيف يحب بصدق هو قلب لا يعرف الهزيمة لأن الوفاء في ذاته انتصار حتى لو لم تكتمل الحكاية.
واليوم في نفس التوقيت.. العاشرة والنصف مساء أقف لا لأستعيد ما مضى بل لأستعيد نفسي التي صقلتها التجارب. أبتسم بسلام داخلي فمن تعلم الإخلاص في مشاعره الصغيرة لا يملك إلا أن يكون مخلصاً في انتماءاته الكبيرة.
اللهم إن كانت هذه الذكرى طيفاً من ألم فاجعلها طهراً للنفس وإن كانت درساً فاجعلني أحسن الفهم….. اللهم عوضني خيراً عما فقدت وارزقني قلباً لا يرهقه الالتفات للوراء وروحاً مطمئنة لا تسكنها الخيبات ويقيناً بأن ما عند الله خير وأبقى.
اللهم احفظ مصرنا الغالية وجيشها الأبي وشرطتها الباسلة واجعلها دائماً بلداً للأمن والأمان والاستقرار وارزقنا فيها الستر وحسن الختام



