أقلام حره

لا سلام في الشرق الأوسط دون توقيع مصرى

كيف صنعت القيادة المصرية لنفسها حق النقض الإقليمي

بقلم/ دكتورة مايسة خليل
المدير التنفيذي لمركز الرؤية للدراسات السياسية والاستراتيجية
في الرابع والعشرين من أبريل عام 2026، وتحت سقف واحد في العاصمة القبرصية نيقوسيا، اجتمع قادة عرب وأوروبيون على مائدة واحدة في قمة جمعت مصر والسعودية والأردن ولبنان وسوريا مع قادة الاتحاد الأوروبي، في توقيت بالغ الحساسية، إذ كانت الحرب في إيران قد دخلت شهرها الثاني، ومضيق هرمز مُغلقاً بشكل شبه كامل، وأسطول أمريكي يفرض حصاراً بحرياً وآخر إيراني يهدد باستهداف أي سفينة لا تلتزم بأوامره. في هذا المشهد المتأزم، لم يكن انعقاد القمة في هذا التوقيت الدقيق مجرد صدفة، بل كان اعترافاً أوروبياً-عربياً صريحاً بأن الحرب تجاوزت حدودها الإقليمية وأصبحت تهدد أمن الطاقة العالمي وأسعار الغذاء واستقرار الاقتصاد الأوروبي، وبأنه لا يمكن مواجهة هذه التداعيات دون شريك عربي موثوق وقادر على التحرك في كل الاتجاهات.

غير أن اللافت في هذا المشهد لم يكن مجرد انعقاد القمة في هذا التوقيت، بل موقع مصر منها. فمصر لم تكن مشاركاً عادياً، بل كانت الحلقة الأكثر متانة في سلسلة الأمن الإقليمي، والوسيط الأكثر قدرة على ترجمة المخاوف الأوروبية والعربية إلى لغة سياسية مفهومة للجميع. هذا التحول لم يحدث بين ليلة وضحاها، بل هو نتاج استراتيجية متراكمة قادتها القيادة المصرية بعين ثاقبة وصبر طويل، استثمرت فيها الموقع الجغرافي الفريد للبلاد، وبنيت علاقات متوازنة مع كل الأطراف، وأقامت شراكات اقتصادية وأمنية جعلت من القاهرة طرفاً لا يمكن تجاوزه، بل دولة باتت تملك عملياً “حق نقض إقليمياً” على أي تسوية كبرى في المنطقة.

لقد فهمت القيادة المصرية، في وقت مبكر، أن النظام الدولي كان يتحول من أحادية القطب إلى تعددية فوضوية، وأن الهيمنة الأمريكية لم تعد مطلقة، وأن الفراغ الجيوسي سيملأه إما قوى إقليمية أو فواعل غير حكومية. ومن هذا الإدراك، انطلقت استراتيجية مصرية تقوم على أربع ركائز: أولاً، تعزيز القوة الناعمة والصلبة معاً، من خلال تحديث الجيش وتطوير البنية التحتية وإطلاق مشروعات قومية تعيد تموضع البلاد على الخريطة الاقتصادية العالمية. ثانياً، بناء شبكة علاقات متوازنة مع جميع القوى الكبرى، من الولايات المتحدة إلى روسيا إلى الصين، بحيث لا تصبح القاهرة مرهونة لأي طرف واحد. ثالثاً، الانخراط الفاعل في جميع ملفات المنطقة، من غزة إلى ليبيا إلى السودان إلى سوريا، بحيث تصبح مصر حاضرة في كل تسوية، ولها مصالح في كل استقرار. رابعاً، تحويل التحديات الجغرافية إلى فرص سياسية، باستغلال موقعها على قناة السويس والبحر المتوسط والبحر الأحمر لجذب الاستثمارات والشراكات، ولتأكيد أن استقرار المنطقة يبدأ من القاهرة ثم يمتد إلى باقي العواصم.

يمكن القول إن رحلة مصر من وسيط إلى قطب قد بدأت قبل أعوام، لكنها بلغت ذروتها خلال الحرب الأخيرة في إيران وأزمة مضيق هرمز، والتي كانت على أشدها في أبريل 2026 بالتزامن مع انعقاد قمة نيقوسيا. ففي الوقت الذي عجزت فيه العديد من العواصم عن التحرك، كانت القاهرة تمتلك قنوات اتصال مفتوحة مع واشنطن وطهران وموسكو وبكين وأنقرة وتل أبيب، كما كانت تمتلك رؤية واضحة لطبيعة التسوية المطلوبة، كما امتلكت الجرأة على التعبير عن مواقفها بوضوح، من إدانة الهجمات الإيرانية إلى التأكيد على أن المسار السياسي هو السبيل الوحيد. وهذا المزيج من العلاقات والرؤية والجرأة هو ما جعل من القاهرة عاصمة للوساطات الكبرى، ومن الرئيس السيسي صوتاً تستمع له الأطراف المتصارعة قبل أن تبدأ في التصادم. وما حدث في قمة نيقوسيا لم يكن سوى تتويج لهذا الجهد، حيث وقف الرئيس السيسي أمام القادة الأوروبيين والعرب ليطرح رؤية متكاملة للأزمة، ويؤكد أن مصر لن تسمح باستغلال الظرف الإقليمي لتهجير الفلسطينيين أو تصفية قضيتهم، وأن أي تسوية في المنطقة يجب أن تمر أولاً عبر القاهرة.

لا يمكن فهم هذا الدور دون العودة إلى الخريطة، فمصر تحتل موقعاً لا يمكن تعويضه: هي بوابة أفريقيا وآسيا وأوروبا، وتمسك بمفتاح البحر المتوسط من جهة والبحر الأحمر من جهة أخرى عبر قناة السويس، وتمتد في العمق الأفريقي والآسيوي، وتحكم نقاط الالتقاء بين دول الخليج وتركيا، وبين إسرائيل وأفريقيا، وبين أوروبا وآسيا. هذا الموقع يمنح مصر قدرة فريدة على رؤية الصورة الكاملة للأزمات، وعلى التحرك دون أن تتهم بالانحياز، خصوصاً أنها لا تستضيف قواعد عسكرية أجنبية كبيرة على أراضيها، وليست طرفاً مباشراً في حرب إيران. فبينما اضطرت قواعد أمريكا وبريطانيا في قبرص إلى صد هجمات إيرانية بطائرات مسيرة خلال أبريل، بقيت مصر بمنأى عن هذا التصعيد، مما أتاح لها مساحة أوسع للمناورة الدبلوماسية. هذا الموقع الفريد هو ما جعل القاهرة الملاذ الآمن للمفاوضات، والوسيط الموثوق به من قبل متناقضين، والطرف الذي يستطيع أن يقول “لا” لأي تسوية لا تراعي مصالحه أو مصالح جيرانه.

لقد انعكست هذه الاستراتيجية المتكاملة بوضوح في تعامل مصر مع تداعيات حرب إيران الاقتصادية. فمنذ إغلاق مضيق هرمز بشكل شبه كامل في أواخر فبراير واستمرار الإغلاق طوال مارس وأبريل، تعرضت حركة الملاحة في قناة السويس لضربة موجعة، حيث تراجع عدد السفن العابرة بنسبة تجاوزت النصف، وخسرت مصر ما لا يقل عن عشرة مليارات دولار من إيرادات القناة منذ بداية الأزمة حتى نهاية أبريل 2026. هذه الخسارة الفادحة، في اقتصاد يعاني أصلاً من أزمة عملة ومديونية وتضخم، كانت كفيلة بأن تدفع أي دولة إلى رد فعل عسكري أو تصعيد لفظي، لكن القاهرة اختارت مساراً مختلفاً يعكس نضج القيادة وحكمتها. فمن جهة، عملت على تنويع مصادر دخل القناة عبر تطوير خدمات لوجستية وسياحية. ومن جهة أخرى، استثمرت الأزمة لتعزيز شراكتها مع الاتحاد الأوروبي، حيث عرضت نفسها كممر بديل آمن للطاقة والتجارة عبر مشاريع نقل الغاز من قبرص واليونان إلى مصانع الإسالة المصرية. ومن جهة ثالثة، كثفت من تنسيقها مع باكستان وتركيا لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران، إدراكاً منها أن الحل العسكري مستحيل وأن الحل السياسي هو وحده الذي سيعيد الأمن إلى هرمز والقناة معاً. وكانت قمة نيقوسيا في 24 أبريل فرصة لمصر لعرض هذه الرؤية على أعلى مستوى أوروبي، وللحصول على دعم أوروبي لجهودها في إعادة الإعمار والاستقرار.

في هذا السياق، لا يمكن فصل الدور المصري عن الديناميكيات الأوسع لتشكيل نظام إقليمي جديد، والتي بلغت ذروتها أيضاً في أبريل 2026. فالتقارير والتحليلات التي تتحدث عن مساعٍ لتشكيل نواة تحالف رباعي يضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان لم تعد مجرد تكهنات، بل أصبحت قراءة واقعية لتحركات ملموسة على الأرض. فالمناورات العسكرية المشتركة بين هذه الدول تزايدت، واتفاقيات الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وصلت إلى مستوى اعتبار أي هجوم على أحدهما هجوماً على الآخر، والقوات الباكستانية انتشرت في السعودية في مارس وأبريل 2026، والطائرات التركية المسيرة باتت حاضرة في قواعد مصرية وسعودية، والتنسيق الدبلوماسي بين وزراء خارجية الدول الأربع أصبح أكثر انتظاماً، وبلغ ذروته في اجتماعات أنطاليا وقمة نيقوسيا. هذا الرباعي، إذا اكتمل، سيشكل ثقلاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً هائلاً: باكستان تقدم الردع النووي، وتركيا تقدم التكنولوجيا العسكرية والعضوية في الناتو، والسعودية تقدم التمويل والنفوذ النفطي، ومصر تقدم العمق الجغرافي والديموغرافي والخبرة الدبلوماسية والجيش التقليدي الأكبر في المنطقة. لكن القيادة المصرية تدرك المخاطر الكامنة في هذا التحالف، ولذلك تتحرك بحذر وواقعية، لا تريد استبدال هيمنة أمريكية بهيمنة جديدة، بل تسعى إلى خلق شبكة مصالح مشتركة تجعل من الصعب استهداف أي من أعضائها، دون أن ترغمهم على التزامات آلية قد تجرهم إلى حروب لا يريدونها. وهذا هو جوهر الاستراتيجية المصرية: التوازن لا الانحياز، والإدارة لا التصعيد، وبناء البدائل لا حرق الجسور. وهذه الاستراتيجية لم تأت من فراغ، بل هي نتاج رؤية القيادة المصرية التي أدركت أن القوة الحقيقية للدولة لا تقاس بعدد أسلحتها فقط، بل بقدرتها على إدارة العلاقات وتحقيق المصالح دون الدخول في صراعات وجودية.

أما على المستوى العربي والدولي، فثوابت الموقف المصري هي التي تفسر لماذا تثق دول الخليج في القاهرة، ولماذا تستمع لها أوروبا، ولماذا لا تستطيع إيران تجاهلها، ولماذا لم يعد أي سلام حقيقياً في الشرق الأوسط دون توقيع مصري. أول هذه الثوابت أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وهو مبدأ ترجمته مصر بمواقف عملية، من إرسال قوات إلى التحالف العربي في اليمن، إلى دعم السعودية والإمارات في مواجهة الهجمات الإيرانية، إلى إدانة أي تهديد يمس سيادتها أو أمنها. والثابت الثاني هو أن المسار السياسي هو السبيل الوحيد المقبول، وهو ما جعل القاهرة طرفاً محورياً في مفاوضات غزة وفي محاولات احتواء الحرب بين واشنطن وطهران. والثابت الثالث هو الرفض القاطع لتهجير الفلسطينيين وتصفية قضيتهم، وهو خط أحمر مرتبط بالأمن القومي المصري بشكل مباشر، حيث أي محاولة لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء ستشكل تهديداً وجودياً لمصر. هذه الثوابت، إلى جانب الموقع الجغرافي والشراكات المتوازنة، هي التي جعلت مصر لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية كبرى، وحجر الزاوية في أي نظام إقليمي جديد، وصاحبة حق النقض غير المعلن على أي اتفاق لا يأخذ مصالحها ومصالح جيرانها بعين الاعتبار.

في الختام، ما تفعله مصر اليوم ليس مجرد رد فعل على أزمة عابرة، بل هو بناء طويل الأجل لدورها في نظام عالمي وإقليمي جديد، أكثر فوضوية وأقل قابلية للتنبؤ، وهو ما تجلى بوضوح في قمة نيقوسيا في 24 أبريل 2026، حيث لم تكن القمة مجرد اجتماع عابر، بل كانت اعترافاً ضمنياً من الأوروبيين والعرب بأن القاهرة، بقيادتها واستراتيجيتها، أصبحت القوة الأكثر استقراراً والأكثر قدرة على إدارة الفوضى دون أن تحترق فيها، بل وتحويلها إلى فرص لتعزيز النفوذ وتوسيع الشراكات. والاستراتيجية المصرية، التي تجمع بين الثوابت والمرونة، وبين القوة الصلبة والناعمة، وبين الانخراط الإقليمي والشراكات الدولية، أثبتت أنها نموذج ناجح لدولة متوسطة الحجم استطاعت أن تحول الموقع الجغرافي إلى قوة جيوسياسية، وأن تصبح لاعباً لا غنى عنه في وقت يتفكك فيه النظام القديم وتولد قواعد جديدة لم تكتمل بعد. لقد صنعت القيادة المصرية لنفسها “حق النقض الإقليمي” ليس عبر فرضه بالقوة، بل عبر جعله حاجة حقيقية للجميع، فلم يعد أي طرف، عربياً كان أم أوروبياً أم أمريكياً، يستطيع أن يتجاهل القاهرة أو يستثنيها من أي تسوية. والسؤال الذي يبقى: هل ستستطيع القاهرة الاستمرار في هذا الدور مع استمرار الأزمة وتعقيدها؟ الإجابة تعتمد على مدى قدرتها على الحفاظ على توازناتها الدقيقة، وعلى استمرار دعم القوى الكبرى لوساطتها، وعلى نجاحها في ترجمة نجاحاتها الدبلوماسية إلى مكاسب اقتصادية تلمسها الجماهير في الداخل. ومما لا شك فيه أن الأيام القادمة ستكون اختباراً حقيقياً لهذه الاستراتيجية، لكن الثقة في القيادة المصرية تأتي من أنها أثبتت مراراً، عبر السنوات العجاف، أنها تعرف كيف تمشي على الحبل دون أن تسقط، وكيف تحول الأزمات إلى فرص، وكيف تجعل من مصر قلباً ينبض في جسد منطقة مضطربة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock