
مدحت الحلفاوي يكتب: وراء كل أسلوب حكاية
لم يكن أحد يلتفت كثيرا الى ما يحدث قبل ان يعجب الناس باسلوب ما. الكل يرى اللحظة الاخيرة فقط لحظة اكتمال الصورة. لكن خلف تلك اللحظة شيء لا يرى ولا يروى بسهولة ولا يصلحه التصفيق.
كان يظهر النص امامهم كأنه خرج كاملا من اول مرة. جملة مستقرة وفكرة ناضجة واسلوب يبدو سلسا كأنه ولد هكذا. لكن الحقيقة ان ما يصل للناس هو الجزء الذي نجا فقط لا اكثر.
يعجبهم الاسلوب فيظنون انه ولد مع صاحبه. يقرأون الكلمات في دقائق ولا يخطر ببالهم ان وراءها اعواما كاملة من الصمت والتأمل والتعلم. يرون الثمرة ولا يسألون عن الشجرة التي وقفت طويلا تقاوم الريح حتى اثمرت.
ما اسهل ان يقال عن انسان انه موهوب. وما اصعب ان يعرف الناس كم دفع من عمره ليبدو لهم كذلك. فالاتقان لا يولد فجأة. واللغة لا تفتح ابوابها لكل عابر. والاسلوب ليس هدية تمنحها الحياة لاحد. بل رحلة طويلة لا يراها الا من سارها.
قد لا يعرفون ان خلف هذا الهدوء بين السطور كانت هناك رحلة امتدت لاكثر من ربع قرن بين الكتب والنصوص والتجربة والصمت واعادة المحاولة. سنوات لم تكن كلها كتابة بل كانت حياة كاملة تتشكل داخل القراءة والاصغاء والتعلم اكثر مما كانت تظهر على الورق. كل نص كان نتيجة ما قبله وكل محاولة كانت خطوة لما بعده.
وراء كل كلمة استقرت في مكانها كلمات كثيرة اخطأت الطريق. ووراء كل فكرة نضجت افكار ظلت سنوات تبحث عن وجهتها. ووراء كل نص يلامس القلب محاولات لم يقرأها احد لانها سقطت في الطريق قبل ان تكتمل.
كم مرة كتب النص ثم اعيد من البداية. وكم مرة بدا قريبا من الاكتمال ثم تراجع خطوة الى الخلف. وكم مرة ظن صاحبه انه انتهى ليكتشف انه ما زال في بداية فهمه لنفسه وللكلمة.
لا احد يرى الساعات التي قضاها صاحب القلم وهو يمزق ما كتب قبل ان يرضى عنه. ولا الليالي التي اغلقها على نفسه وهو يفتش عن كلمة تليق بمعنى يسكن قلبه. ولا الصفحات التي قرأها دون ان يقتبس منها سطرا واحدا لكنه خرج منها انسانا اخر.
الاسلوب لا تصنعه الموهبة وحدها. تصنعه الايام حين تعلم صاحبه ان يصغي اكثر مما يتكلم. وان يقرأ اكثر مما يكتب. وان يتواضع للكلمة قبل ان يطلب منها ان تتواضع له.
هناك اشياء لا تضيف الى الانسان معلومة فقط بل تعيد تشكيل روحه. كتاب يوقظه من غفلته ومعلم يفتح له بابا لم يكن يراه وكلمة صادقة تغير طريقه كله. وهكذا تتكون الملامح الحقيقية للقلم دون ان ينتبه اليها احد.
وحين يبلغ الكاتب مرحلة يظن الناس انها بداية نجاحه يكون في الحقيقة قد انهى سنوات طويلة من التلمذة. اكثر من ربع قرن بين النصوص والكتب والتجربة والصمت ومحاولات لا تنتهي كان فيها يبحث عن صيغة تشبهه قبل ان يبحث عن اعجاب الاخرين.
ولذلك لا تتعجل الحكم على احد من سطر قرأته له. فربما كان هذا السطر خلاصة عمر كامل. ولا تستكثر عليه اسلوبا اعجبك. فربما كان ثمنه سنوات من المحاولة والانكسار واعادة البدء حتى استقام له الطريق.
ان اجمل ما في الاسلوب انه لا يسرق ولا يقلد كما هو. لانه ليس كلمات تحفظ بل اثر حياة كاملة عاشها صاحبها دون ان يعلن عنها.
وحين يعجبك اسلوب احد فلا تساله كيف كتب هذه الكلمات. بل اسال نفسك كم مرة اعاد نفسه قبل ان يصل اليها. وكم مرة خسر نصا كان يظنه جيدا. وكم مرة اختار الصمت بدل ان يكتب شيئا لا يشبهه.
فوراء كل اسلوب حكاية لا ترى من اول مرة. وحين تراها اخيرا تدرك ان ما وصل اليك لم يكن البداية بل النتيجة الاخيرة لرحلة طويلة لم تكن امامك.
ومع ذلك تظل الحقيقة الادهى ان كل ما يعجبك اليوم كان يوما ما مجرد محاولة لم تكتمل.
ما يبدو سهلا في عيون الناس قد يكون اثقل من ان يحكى.
فالاسلوب لا يمنح بل ينتزع من صبر طويل وتجارب لا ترى.
ومن لا يعرف الطريق قد يظن ان الجمال ولد صدفة وهو في الحقيقة حصاد عمر كامل.



