زيارة الرئيس الصيني لمصر.. توطيد تاريخي لعلاقات دبلوماسية أصيلة وخارطة طريق لشراكة مثمرة
بقلم سماح محروس
لم تكن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر عنوانًا جديدًا للعلاقات المصرية الصينية بقدر ما جاءت امتدادًا لعلاقات دبلوماسية وشراكة أصيلة توارثتها الأجيال، ورسختها عقود طويلة من التعاون في مختلف المجالات السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والتنموية.
فعلى مدار سبعين عامًا، استطاعت مصر والصين بناء رصيد كبير من الثقة والتعاون المتبادل، مستندتين إلى تاريخ حضاري عريق ورؤية مشتركة تقوم على احترام سيادة الدول، ودعم الاستقرار، ونبذ التصعيد، وتعزيز فرص التنمية والسلام.
وتكتسب زيارة الرئيس الصيني أهمية خاصة في ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط والعالم، وما تفرضه من ضرورة تعزيز الحوار والتنسيق بين الدول ذات الثقل السياسي والحضاري. كما يأتي التنسيق المصري الصيني بشأن القضية الفلسطينية والأوضاع في المنطقة في مقدمة الملفات التي تعكس مساحة مهمة من التفاهم بين البلدين، خاصة فيما يتعلق بالدعوة إلى الاستقرار وخفض التصعيد.
وتأتي الزيارة كذلك بعد سنوات من التواصل المستمر بين قيادتي البلدين، وفي مقابل الزيارات المتعددة التي أجراها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الصين، بما يعكس حرص القاهرة وبكين على تحويل العلاقات التاريخية إلى شراكة أكثر اتساعًا وتأثيرًا.
وقد استقبلت مصر الرئيس الصيني في أجواء عكست عمق العلاقات بين الشعبين، حيث رفرفت الأعلام المصرية والصينية في شوارع القاهرة، وسط مظاهر احتفاء بالضيف الصيني والوفد المرافق له، في رسالة تعبر عن التقدير المصري لهذه العلاقة الممتدة.
ومن منظوري، فإن إحدى أهم الفرص التي تتيحها هذه الزيارة تتمثل في تعزيز استقلالية القرار الاستراتيجي المصري، وترسيخ سياسة تقوم على تنويع الشراكات الدولية وعدم الارتهان لمحور واحد، بحيث تستطيع القاهرة تطوير علاقاتها مع بكين وواشنطن وغيرهما من القوى الدولية وفقًا لمصالحها الوطنية.
ويعكس هذا النهج مبدأ الاتزان الاستراتيجي الذي تسعى مصر إلى الحفاظ عليه في علاقاتها الخارجية، بعيدًا عن الاستقطاب والتنافس بين القوى الكبرى، وبما يسمح لها بالاستفادة من علاقاتها الدولية في دعم التنمية والاستقرار وحماية مصالحها الوطنية.
كما تتقاطع الرؤيتان المصرية والصينية في أهمية الحفاظ على استقرار منطقة الشرق الأوسط، وهي مسألة تتجاوز المصالح الآنية إلى رؤية أوسع لدور البلدين في النظام الدولي وفي تعزيز التعاون بين دول الجنوب العالمي.
ولا تتوقف أهمية الزيارة عند الأبعاد السياسية والاستراتيجية، بل تمتد إلى الجانب الاقتصادي، الذي يمثل أحد أهم مجالات الشراكة المستقبلية بين القاهرة وبكين.
ومن المتوقع أن تسهم التحركات المصرية في تعزيز فرص جذب المزيد من الاستثمارات الصينية، وتوسيع التعاون الصناعي والتكنولوجي، والاستفادة من الخبرات والإمكانات الصينية، إلى جانب دعم وتطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والمشروعات المشتركة التي يمكن أن توفر فرصًا جديدة للإنتاج والتصدير والتشغيل.
إن العلاقات المصرية الصينية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد علاقات دبلوماسية تقليدية، وإنما باعتبارها شراكة تمتلك مقومات حقيقية للتوسع في مجالات الاقتصاد والصناعة والتعليم والتكنولوجيا والاستثمار والبنية التحتية وغيرها من القطاعات الحيوية.
ومن هنا، فإن نجاح الزيارة الحقيقي يقاس بما يمكن أن تترجمه من تفاهمات واتفاقات إلى مشروعات واستثمارات ونتائج ملموسة تعود بالنفع على المواطن المصري وتدعم مسيرة التنمية.
ولعل العبارة التي حملتها لوحات الترحيب بالرئيس الصيني في شوارع القاهرة تلخص جانبًا مهمًا من طبيعة هذه العلاقة: إن العلاقات المصرية الصينية تتدفق كما يتدفق نهر النيل.
وأخيرًا، يأتي دور الرأي العام والإعلام المصري بمختلف وسائله في تناول مثل هذه الزيارات بموضوعية، وإبراز ما تحمله من فرص حقيقية لمصر، بالتوازي مع دوره في مناقشة السلبيات والتحديات والبحث عن حلول جذرية لها.
فكما أن من واجبنا مناقشة أوجه القصور، فإن من واجبنا أيضًا دعم كل تحرك يصب في صالح مصر، ويساعد على جذب الاستثمارات، وتوسيع الشراكات الدولية، وتعزيز مكانة الدولة اقتصاديًا وسياسيًا واستراتيجيًا.
إن توطيد العلاقات المصرية الصينية يمثل فرصة للبناء على ميراث امتد عبر الأجيال، وتحويل هذا التاريخ الطويل إلى خارطة طريق لمزيد من التنمية والاستثمار والسلام والاستقرار.
حفظ الله مصر، ووفق أبناءها المخلصين لكل ما يحقق لها الخير والتنمية والسلام والاستقرار.



