أقلام حره

التعاون المصري–الصيني.. فرصة استراتيجية لتعزيز الأمن الغذائي في إفريقيا والعالم العربي

بقلم أ.د.مصطفى عطية عمارةا

المتحدث الرسمى لمركز البحوث الزراعية

تأتي مصر في مقدمة الدول التي تسعى الصين إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية معها، خاصة في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والزراعية. وتستند العلاقات المصرية–الصينية إلى جذور تاريخية ممتدة، أسهمت في بناء قدر كبير من الثقة والاحترام المتبادل بين الشعبين والدولتين.

وخلال السنوات الأخيرة، شهدت الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وبكين دفعة قوية، مدفوعة بالإرادة السياسية المشتركة والرغبة في توسيع آفاق التعاون في مجالات التنمية والاستثمار والتكنولوجيا، بما يخدم مصالح البلدين ويدعم جهود التنمية والسلام والاستقرار.

ويكشف تتبع مسار العلاقات الاقتصادية المصرية–الصينية عن توسع ملحوظ في مجالات التعاون، مدعومًا بعدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والمشروعات المشتركة، ويأتي القطاع الزراعي والأمن الغذائي في مقدمة القطاعات التي تحظى باهتمام متزايد من الجانبين.

طفرة في التعاون الزراعي

يشهد التعاون الزراعي بين مصر والصين طفرة استراتيجية ملحوظة، تمثل خطوة مهمة لدعم جهود الدولة المصرية في تحقيق الأمن الغذائي المستدام، من خلال دمج التقنيات الذكية في الزراعة، وترشيد استخدام المياه، وتطوير أصناف المحاصيل، ومواجهة التأثيرات المتزايدة للتغيرات المناخية.

وتفتح الزيارات المتبادلة بين المسؤولين والباحثين من البلدين المجال أمام الانتقال من مرحلة تبادل الخبرات والزيارات العلمية إلى تنفيذ مشروعات بحثية وتطبيقية مشتركة في مجالات الزراعة الذكية، والابتكار الزراعي، وسلامة الغذاء، وتحليل الملوثات، وإدارة الموارد الطبيعية.

ومن شأن هذا التعاون أن يعزز الاستفادة المتبادلة من الخبرات العلمية والتكنولوجية المتراكمة لدى البلدين، وأن يجعل مصر منصة إقليمية لنقل بعض هذه الخبرات إلى الدول العربية والإفريقية.

أولًا: الإطار الاستراتيجي والاتفاقيات المشتركة

تعمل وزارة الزراعة المصرية على تجديد خطة العمل التنفيذية للتعاون الزراعي المشترك، التي تم توقيعها عام 2023، بهدف الارتقاء بها إلى مستوى أكثر شمولًا واستراتيجية، بحيث لا تقتصر نتائجها على خدمة مصر والصين فقط، بل تمتد آثارها إلى المنطقة العربية والقارة الإفريقية.

كما شهد التعاون العلمي والبحثي توقيع عدد من مذكرات التفاهم التي تركز على تقنيات الزراعة الحديثة، وتعزيز الأمن الغذائي، وتحسين إدارة الموارد الطبيعية.

واستفادت مصر كذلك من المبادرات الصينية الرامية إلى تعزيز نفاذ المنتجات الإفريقية إلى السوق الصينية، ومنها التسهيلات والإعفاءات الجمركية الموجهة لعدد من الدول الإفريقية، بما يدعم فرص زيادة تدفق المنتجات الزراعية المصرية إلى الأسواق الصينية.

ثانيًا: التكنولوجيا والبحث العلمي الزراعي

يُعد التعاون البحثي والتكنولوجي من أهم محاور الشراكة الزراعية بين مصر والصين، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالمياه والتغيرات المناخية والتصحر.

ويتعاون مركز البحوث الزراعية المصري مع عدد من المعاهد والمراكز البحثية الصينية، من بينها مؤسسات متخصصة في الجغرافيا والبيئة الزراعية، لتطوير أصناف من المحاصيل الاستراتيجية، مثل الأرز الهجين وفول الصويا والذرة، تتمتع بإنتاجية مرتفعة وقدرة أكبر على تحمل الجفاف والملوحة والإجهادات البيئية.

كما يمتد التعاون إلى تطبيق تقنيات الزراعة الذكية ونظم المعلومات الحديثة في التحكم في الري، وقياس رطوبة التربة ودرجات الحرارة، وتطوير نظم الري الحقلي لترشيد استهلاك المياه، إلى جانب استخدام تكنولوجيا الاستشعار عن بُعد في إدارة الأراضي والمياه واستصلاح المناطق الصحراوية.

وفي مجال سلامة الغذاء، يستقبل المعمل المركزي لتحليل متبقيات المبيدات والعناصر الثقيلة في الأغذية وفودًا وخبراء من الصين لتبادل الخبرات وتطوير تقنيات الكشف عن الملوثات، وتعزيز تطبيق معايير السلامة والجودة على المنتجات الغذائية.

كما وقع مركز بحوث الصحراء المصري بروتوكول تعاون مع الأكاديمية الصينية للعلوم لإطلاق مكتب إقليمي للمركز الصيني–الإفريقي المشترك للأبحاث «SAJOREC» في القاهرة، ليكون بوابة لنقل تكنولوجيا الاستدامة والخبرات البحثية إلى القارة الإفريقية.

ثالثًا: تعزيز الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد

يمثل تأمين سلاسل الإمداد وتقليل الفاقد أحد المحاور الرئيسية للتعاون، خاصة في مجال تخزين الحبوب وإنشاء الصوامع الحديثة.

وشاركت شركات صينية متخصصة في تنفيذ مشروعات لتخزين الحبوب باستخدام تكنولوجيا حديثة تساعد على خفض الفاقد وتحسين كفاءة التخزين، بما يدعم جهود تأمين الاحتياطي الاستراتيجي من السلع الأساسية.

كما أجرت وزارة الزراعة المصرية مباحثات مع جهات صينية متخصصة، من بينها معهد «إيكاما» ICAMA، لتعزيز التعاون في مجال تسجيل ومراقبة مبيدات الآفات الزراعية ونقل الخبرات الخاصة بتصنيع المبيدات عالية الجودة، إلى جانب دراسة توطين صناعة مستلزمات الإنتاج والآلات الزراعية الحديثة في مصر، بما يسهم في خفض فاتورة الاستيراد وزيادة المكون المحلي.

ويمتد التعاون كذلك إلى مشروعات الثروة الحيوانية والداجنة وإنتاج الأعلاف، بالإضافة إلى برامج تدريبية وتنموية تستهدف رفع كفاءة صغار المنتجين وتمكين المرأة الريفية اقتصاديًا من خلال نقل خبرات الرعاية والإنتاج الداجني المستدام.

رابعًا: التبادل التجاري والصادرات الزراعية

يمثل فتح السوق الصينية أمام المزيد من الحاصلات الزراعية المصرية أحد أهم أهداف التعاون المشترك.

وبعد نجاح عدد من المنتجات المصرية، مثل الرمان والتمور والفراولة المجمدة، في الوصول إلى السوق الصينية، تتواصل الجهود لفتح السوق أمام منتجات إضافية، من بينها المانجو وغيرها من الحاصلات ذات القدرة التنافسية العالية.

كما شهد عام 2026 توقيع عقود تصديرية بين شركات مصرية ومشترين صينيين شملت منتجات زراعية وغذائية، بما يعكس تنامي اهتمام السوق الصينية بالمنتجات المصرية وزيادة فرص توسيع الصادرات خلال السنوات المقبلة.

خامسًا: آفاق التعاون المستقبلية

مع استمرار الزيارات رفيعة المستوى بين البلدين، تتزايد فرص الانتقال بالتعاون الزراعي المصري–الصيني إلى مرحلة أكثر تقدمًا، تقوم على المشروعات المشتركة والاستثمار ونقل التكنولوجيا.

ومن أبرز المجالات المرشحة للتوسع خلال المرحلة المقبلة: استصلاح الأراضي الصحراوية، وتطوير برامج الزراعة الذكية، وإيفاد الباحثين والمزارعين المصريين إلى الصين للتعرف على أحدث نظم الإدارة الزراعية، وتطوير أنظمة الري وترشيد المياه، وبرامج التنبؤ الزراعي والمناخي، والابتكار في سلامة الغذاء وتحليل الملوثات.

كما تشمل مجالات التعاون علوم البيئة وكيمياء الملوثات ومعالجة المياه، وبحوث التربة والمياه والاستشعار عن بُعد، ودمج التقنيات الذكية الحديثة في مشروعات استصلاح الأراضي.

ويحظى تطوير وإنتاج أصناف عالية الإنتاجية من المحاصيل الاستراتيجية، القادرة على تحمل الجفاف والملوحة والإجهادات المناخية، باهتمام متزايد، إلى جانب تطوير منظومة إدارة وتسجيل ومراقبة مبيدات الآفات الزراعية وبناء قاعدة صناعية وطنية لإنتاج مبيدات ومستلزمات زراعية عالية الجودة وفق المعايير الدولية.

ويشمل التعاون كذلك توطين صناعة الآلات والمعدات الزراعية، والاستثمار في الكوادر البشرية، وتنفيذ برامج تدريبية متخصصة لنقل المعارف والتكنولوجيات الحديثة، فضلًا عن التصنيع الزراعي وسلاسل الإمداد والتعبئة والتصدير.

اتفاقيات ومذكرات تفاهم تدعم الأمن الغذائي

شهدت العلاقات الزراعية بين مصر والصين خلال الفترة الأخيرة توقيع عدد من الاتفاقيات والبروتوكولات التي تعزز فرص التعاون وتخدم الأمن الغذائي الإقليمي.

ففي مجال فتح الأسواق ونفاذ الحاصلات الزراعية، تم التعاون مع الإدارة العامة للجمارك الصينية «GACC» في استيفاء المتطلبات والإجراءات الحجرية اللازمة واعتماد منظومة التكويد المصرية لعدد من الحاصلات، إلى جانب اتخاذ خطوات لتسهيل تصدير التمور المصرية ومنتجات زراعية أخرى إلى السوق الصينية.

وفي مجال توطين التكنولوجيا، تم تعزيز التعاون العلمي بين مركز البحوث الزراعية المصري والمؤسسات البحثية الصينية بهدف تطوير تقاوي وهجن من الخضروات والمحاصيل الحقلية المقاومة للجفاف والملوحة والإجهادات البيئية.

كما تشمل مجالات التعاون تدريب الباحثين المصريين على استخدام الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية في تقييم مخاطر الآفات الزراعية والتنبؤ بالتغيرات المناخية.

وفي مجال مستلزمات الإنتاج، يركز التعاون مع معهد «إيكاما» ICAMA على تبادل الخبرات والتشريعات الخاصة بإدارة ومراقبة مبيدات الآفات الزراعية، وتهيئة البيئة المناسبة لإقامة شراكات صناعية تهدف إلى توطين إنتاج المبيدات والأسمدة الحيوية الصديقة للبيئة في مصر.

وفي مجال سلامة الغذاء، يعمل المعمل المركزي لتحليل متبقيات المبيدات والعناصر الثقيلة في الأغذية «QCAP» على توسيع تعاونه مع المؤسسات العلمية الصينية، ومنها الجهات البحثية في مقاطعة هوبي، لتبادل التقنيات الحديثة وأساليب الفحص والتحليل وضمان سلامة المنتجات الغذائية المتداولة والمخصصة للتصدير.

أبرز الهيئات والمؤسسات الصينية المشاركة في التعاون الزراعي

تلعب عدة مؤسسات حكومية وبحثية وصناعية صينية دورًا رئيسيًا في دعم الشراكة الزراعية مع مصر.

ومن أبرز هذه الجهات معهد مراقبة المبيدات التابع لوزارة الزراعة والشؤون الريفية الصينية «ICAMA»، الذي يتعاون مع الجانب المصري في مجالات تسجيل ومراقبة مبيدات الآفات الزراعية ونقل تكنولوجيا التصنيع والإدارة الحديثة.

كما تضطلع وزارة الزراعة والشؤون الريفية الصينية بدور محوري في تنسيق التعاون الحكومي ووضع الخطط التنفيذية المشتركة، والتي تشمل الزراعة الحديثة ومكافحة التصحر وإدارة الموارد الطبيعية والتدريب وتبادل الخبرات.

وتعد الأكاديمية الصينية للعلوم «CAS» من أبرز المؤسسات المشاركة في التعاون البحثي، من خلال مراكزها التابعة وبرامج التعاون الصيني–الإفريقي، وفي مقدمتها مركز «SAJOREC».

وتشارك الأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية «CAAS» في مشروعات وبحوث مرتبطة بالزراعة الذكية والاستشعار عن بُعد وإدارة الموارد المائية ومواجهة التغيرات المناخية وتطوير المحاصيل المتحملة للإجهادات البيئية.

كما توجد علاقات تعاون مع مؤسسات بحثية في مقاطعة هوبي، وجامعات ومراكز متخصصة في العلوم البيئية وكيمياء الملوثات ومعالجة المياه، إضافة إلى مراكز أبحاث البيئة الزراعية والجغرافيا في شمال شرق الصين، التي تعمل مع المؤسسات المصرية على عدد من المحاصيل الاستراتيجية، ومنها الأرز الهجين والذرة وفول الصويا.

استثمارات صينية في البنية الزراعية والتصنيع

وعلى المستوى الصناعي، تبرز شركة «فامسون» FAMSUN كإحدى الشركات الصينية المتخصصة في الهندسة الزراعية ومعدات الأعلاف والصوامع، مع توسع أنشطتها واستثماراتها في السوق المصرية، بما يدعم مشروعات تخزين الحبوب وتطوير البنية التحتية الزراعية.

كما تلعب شركة «تيدا» TEDA دورًا صناعيًا ولوجستيًا من خلال المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تستقطب استثمارات وشركات صينية تعمل في مجالات الصناعات الغذائية والتعبئة والتغليف والخدمات اللوجستية وسلاسل التوريد.

وتدرس كيانات صينية كبرى كذلك فرص المشاركة في مشروعات زراعية واستثمارية مرتبطة بإنتاج تقاوي المحاصيل الاستراتيجية والقمح والبطاطس وفول الصويا، بما يمكن أن يفتح المجال أمام المزيد من الاستثمارات المشتركة خلال المرحلة المقبلة.

مصر بوابة للتعاون الصيني مع إفريقيا والمنطقة العربية

لا تقتصر أهمية التعاون الزراعي المصري–الصيني على تحقيق مصالح ثنائية مباشرة، بل يمكن أن يتحول إلى نموذج إقليمي للتعاون في مجال الأمن الغذائي ونقل التكنولوجيا.

فموقع مصر الجغرافي، وخبراتها الزراعية والبحثية، وعلاقاتها الاقتصادية الممتدة مع الدول العربية والإفريقية، تمنحها فرصة لتكون مركزًا إقليميًا لنقل وتوطين التقنيات الزراعية الصينية الحديثة، خاصة في مجالات الزراعة الصحراوية، وإدارة ندرة المياه، وتحمل الملوحة والجفاف، والاستشعار عن بُعد، وسلامة الغذاء.

ومن هنا، يمثل توسيع الشراكة بين مصر والصين فرصة حقيقية لبناء منظومة أكثر تكاملًا للأمن الغذائي، تقوم على البحث العلمي والتصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا وتنمية الموارد البشرية وتعزيز التجارة والاستثمار.

وإذا نجح البلدان في تحويل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى مشروعات إنتاجية وبحثية واسعة النطاق، فإن التعاون المصري–الصيني يمكن أن يتجاوز حدوده الثنائية ليصبح أحد المحاور المهمة في دعم الأمن الغذائي والتنمية الزراعية المستدامة في إفريقيا والعالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock