
الدكتورة أسماء نوير.. مشروع فلسفي عربي يقرأ مستقبل الذكاء الاصطناعي من منظور إنساني
كتب اشرف ابواليزيد
في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتداخل فيه حدود الإنسان والآلة، يبرز اسم الدكتورة أسماء نوير كواحدة من أبرز الباحثات المصريات والعربيات المتخصصات في فلسفة العلوم وفلسفة الذكاء الاصطناعي، حيث كرّست مشروعها العلمي لدراسة الأسئلة الكبرى التي فرضتها الثورة التكنولوجية على الإنسان والمجتمع، ساعية إلى بناء رؤية فلسفية عربية معاصرة توازن بين التقدم التقني والحفاظ على القيم الإنسانية.
تنتمي الدكتورة أسماء نوير إلى محافظة سوهاج، حيث شكّلت البيئة الصعيدية وعيها المبكر بأهمية العلم بوصفه وسيلة للتغيير والتنمية. ومن هذا المنطلق، اتجهت إلى الفلسفة لتجعل منها أداة لفهم التحولات الحضارية التي يشهدها العالم، مؤمنة بأن بناء المستقبل يبدأ ببناء الإنسان، وأن المعرفة هي الركيزة الأساسية لأي نهضة حقيقية.
حصلت على ليسانس الآداب – قسم الفلسفة، ثم واصلت مسيرتها الأكاديمية بالحصول على تمهيدي الماجستير، والدبلوم العام في التربية، والدبلوم المهني في الإدارة المدرسية، والدبلوم الخاص في الإدارة التعليمية، قبل أن تنال درجة الماجستير في الفلسفة المعاصرة بتقدير ممتاز مع التوصية بطباعة الرسالة وتبادلها مع الجامعات العربية. كما حصلت على درجة الدكتوراه في فلسفة العلوم – تخصص فلسفة الذكاء الاصطناعي من كلية الآداب بجامعة أسيوط، بمرتبة الشرف الأولى مع التوصية بطباعة الرسالة وتبادلها مع الجامعات العربية.
ويقوم مشروعها الفكري على دراسة العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، وتحليل تأثير الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل مفاهيم الوعي، والعقل، والحرية، والهوية، والعدالة، والمسؤولية الأخلاقية، من خلال مقاربة فلسفية تجمع بين فلسفة العلوم، وفلسفة العقل، وفلسفة التكنولوجيا، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.
وقد تنوعت اهتماماتها البحثية لتشمل قضايا الفلسفة العصبية، والحوكمة الخوارزمية، والاستعمار الخوارزمي، والسيادة الرقمية، والروبوتات الذكية، وواجهات الدماغ والحاسوب، والمدن الذكية، والحروب السيبرانية، والهوية الرقمية، والخصوصية، إلى جانب دراسة التحولات الاجتماعية والثقافية التي أحدثتها التقنيات الحديثة.
وأصدرت الدكتورة أسماء نوير عددًا من المؤلفات والدراسات العلمية، من أبرزها كتاب “الفلسفة العصبية عند بول تشيرشلاند”، إلى جانب مشاركتها في الكتاب الجماعي المحكّم “الفلسفة والاجتماع الإنساني” بدراسة تناولت توظيف الحرب السيبرانية في إطار الحرب الإسرائيلية على غزة.
كما نشرت عشرات البحوث المحكمة التي ناقشت موضوعات مثل مستقبل تكنولوجيا الإكسوكورتيكس، والمراقبة التكنولوجية، وفلسفة الأخلاق العصبية، والثقافة الرقمية، والتنمية الإنسانية في العصر السيبراني، والتحولات الثقافية في زمن الميتافيرس.
ومن أبرز إنجازاتها البحثية إصدار التقرير الاستراتيجي “المدن الذكية في دول مجلس التعاون الخليجي: الكويت نموذجًا”، الصادر عن مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية بجامعة الكويت، والذي قدّم رؤية فلسفية واستراتيجية للتحول الرقمي في المنطقة، مع التركيز على قضايا الذكاء الاصطناعي، وحوكمة البيانات، والأمن السيبراني، والاستدامة.
كما أولت اهتمامًا خاصًا بالقارة الإفريقية، حيث تناولت في أبحاثها موضوعات السيادة الرقمية، والتنمية، والحوكمة، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والاستعمار الخوارزمي، والتحول الرقمي في إفريقيا، مساهمةً في إثراء النقاش الأكاديمي حول مستقبل التكنولوجيا في القارة.
وفي مجال الترجمة الفلسفية، نقلت إلى العربية عددًا من الدراسات الأجنبية المتخصصة، من بينها دراسة الفيلسوف البلجيكي مارك كوكلبيرج حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، بما يعزز حضور الفكر الفلسفي العالمي داخل المكتبة العربية.
ولم تقتصر جهودها على الجانب الأكاديمي، بل امتدت إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة القضايا الإنسانية، حيث حصلت على المركز الثاني في جائزة التميز البحثي لصندوق مساعدة ضحايا الاتجار بالبشر التابع لرئاسة مجلس الوزراء، بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، عن بحثها “الذكاء الاصطناعي أداة وقائية لمكافحة جرائم الاتجار بالبشر”.
وشاركت في العديد من المؤتمرات والندوات العلمية داخل مصر وخارجها، وقدمت أوراقًا بحثية تناولت موضوعات الذكاء الاصطناعي، وفلسفة الروبوتات، ومستقبل البحث العلمي، والتنمية الرقمية في إفريقيا، وأسهمت في نشر المعرفة الفلسفية عبر العديد من الصحف والمجلات والدوريات العربية والدولية.
كما تشغل عددًا من المواقع والعضويات العلمية والثقافية، من بينها مدير قسم التكنولوجيا بجريدة الصدارة الدولية، وعضوية المعهد العالمي للتجديد العربي، والجمعية العلمية للملكية الفكرية، ومنصة أريد العلمية، إضافة إلى مشاركتها في عدد من اللجان العلمية والبحثية.
وتُعد الدكتورة أسماء نوير عضوًا نشطًا في ملتقى خبراء أكاديمية الحياة للتدريب والتطوير المهني، التي تحرص على استقطاب الكفاءات والخبرات العلمية من مختلف الدول، بما يعزز تبادل الخبرات وبناء شراكات معرفية تسهم في إعداد كوادر قادرة على مواكبة متطلبات المستقبل والتحول الرقمي.
وفي ختام مسيرتها الفكرية، تؤكد الدكتورة أسماء نوير أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تقني، بل يمثل تحولًا حضاريًا يعيد تشكيل صورة الإنسان والعالم، وهو ما يفرض على الفلسفة أن تعيد التفكير في مفاهيم العقل، والوعي، والحرية، والكرامة الإنسانية، بما يضمن أن يظل التطور التكنولوجي في خدمة الإنسان، لا بديلًا عنه. ومن خلال هذا المشروع الطموح، تواصل تقديم نموذج مشرف للباحثة المصرية والعربية التي تجمع بين الأصالة الفكرية والانفتاح على أحدث قضايا العصر، مساهمةً في ترسيخ حضور الفلسفة العربية في النقاشات العالمية حول مستقبل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا



