أقلام حره

شفرة السوق – الشفرة رقم 3: فخ الربح الوهمي (لماذا شركتك تربح على الورق وتفلس في البنك؟)

 

بقلم: د. صلاح الديب – خبير إدارة الأزمات والتحكيم الدولي – مؤسس مكتب خطوات الإنقاذ

دخل عليّ صاحب مصنع بلاستيك في السادس من أكتوبر الأسبوع الماضي، ماسك ميزانية آخر العام ويضحك: “يا دكتور الحمد لله كسبنا 4 مليون جنيه السنة دي”.

فتحت كشف حساب البنك.. الرصيد 83 ألف جنيه فقط، وعليه شيكات مستحقة بـ 2 مليون بعد 15 يوم.

هذه هي الكارثة التي أسميها “فخ الربح الوهمي”.. وهي الشفرة رقم 3 من سلسلة شفرة السوق.

90% من أصحاب الشركات في مصر يديرون شركاتهم من كشف الحساب البنكي، وليس من قائمة الدخل. يرى الفلوس دخلت فيعتقد أنه ربح، ويرى الفلوس خرجت فيعتقد أنه خسر. وهذا هو قمة الفشل المالي.

القصة الحقيقية:

هذا المصنع كان يبيع بـ 20 مليون، وتكلفة البضاعة 14 مليون، فالمحاسبة تقول ربح 6 مليون. لكن الحقيقة المالية مختلفة تماما.

كان يبيع 70% من إنتاجه آجل 90 يوم لموزعين كبار لكي “يكبر السوق”. فأصبح لديه عملاء مدينون بـ 8 مليون جنيه في السوق. وفي نفس الوقت كان يشتري الخامات نقدا. فدفع 14 مليون نقدا، وقبض 6 مليون فقط نقدا من مبيعاته. النتيجة: ربح وهمي 6 مليون على الورق، وعجز سيولة حقيقي 8 مليون في الواقع.

والكارثة الأكبر.. كان يسحب من أرباحه الوهمية هذه ليشتري سيارات جديدة ويفتح خط إنتاج ثالث، معتقدا أنه يتوسع من أرباحه.

تشخيص مكتب خطوات الإنقاذ:

المشكلة ليست في المبيعات ولا في الربح.. المشكلة في مفهوم خطير يجهله 99% من التجار وهو “دورة تحويل النقدية”.

الربح الحقيقي لا يُقاس عند إصدار الفاتورة، بل عند تحصيل الفاتورة.

هناك 3 أمراض تقتل السيولة وتخلق الربح الوهمي:

1- مرض الآجل المفتوح: أن تبيع لأي شخص آجل بدون سقف ائتماني وبدون ضمانات حقيقية. أنت هنا لست تاجرا، أنت بنك يمول عملاءه مجانا وبدون فائدة.

2- مرض المخزون الميت: صاحب المصنع كان يخزن خامات تكفي 6 أشهر خوفا من زيادة الأسعار. فحبس 5 مليون جنيه في مخزن لا يدر عليه جنيها واحدا. المخزون ليس أصل.. المخزون هو مقبرة السيولة.

3- مرض السحب من رأس المال: عندما تسحب من الشركة لشراء أصول شخصية أو لتوسعة جديدة وأنت لا تملك سيولة حقيقية، أنت تقتلع قلب شركتك بيدك.

شفرة الإنقاذ (الحل العملي):

في مكتب خطوات الإنقاذ لا نعالج الأرقام، نعالج السلوك. طبقنا مع هذا المصنع بروتوكول “تشخيص – إنقاذ – تحصين” في 3 خطوات:

الخطوة الأولى: اقطع النزيف فورا.
أوقفنا كل البيع الآجل لأكثر من 30 يوم. أي عميل يريد 90 يوم يدفع 50% مقدم وشيك بنكي ضامن. خسرنا 2 عميل كبير، لكننا أنقذنا 8 مليون جنيه كانت ستموت في السوق. القاعدة الذهبية: لا تبيع لمن لا يستطيع أن يدفع، حتى لو كان أكبر عميل.

الخطوة الثانية: حول المخزون إلى سيولة.
بعنا كل الخامات الزائدة عن حاجة 45 يوم فقط، حتى لو بخسارة 5%. وحولنا 3.5 مليون جنيه راكدة في المخزن إلى سيولة في البنك. القاعدة: المخزن ليس سوبر ماركت، المخزن هو ما تحتاجه فقط لتشغيل 45 يوم.

الخطوة الثالثة: افصل بين جيبين.
فتحنا 3 حسابات بنكية إجبارية: حساب تشغيل (لا يُلمس إلا للخامات والمرتبات)، حساب ضرائب وتأمينات (يُحجز فيه 25% من كل تحصيل فورا)، وحساب أرباح (لا يُسحب منه إلا آخر الشهر بعد التأكد من وجود سيولة حقيقية). صاحب الشركة ممنوع منعا باتا أن يشتري أي شيء شخصي من حساب التشغيل.

بعد 60 يوم فقط.. نفس المصنع الذي كان رصيده 83 ألف، أصبح رصيده 4.2 مليون سيولة حقيقية، وسدد كل شيكاته، وأغلق خط الإنتاج الخاسر.

خلاصة الشفرة رقم 3:

لا تنخدع بالربح على الورق. اسأل نفسك كل يوم سؤال واحد فقط: “كم جنيه دخل البنك اليوم نقدا؟”

إذا كان ربحك في الدفاتر مليون وجنيه وفي البنك صفر، فأنت مفلس رسميا حتى لو قال لك المحاسب أنك رابح.

الشركات لا تفلس بسبب الخسارة.. الشركات تفلس بسبب العجز عن دفع التزام بعد 15 يوم، حتى لو كانت رابحة على الورق بملايين.

مهمتك اليوم:

افتح الآن كشف عملائك.. احسب إجمالي المديونية التي مر عليها أكثر من 45 يوم. هذا الرقم هو حجم السرطان في شركتك. هذا هو أول مبلغ يجب أن تحصله قبل أن تبيع فاتورة واحدة جديدة.

غدا.. الشفرة رقم 4: كيف تكتشف الموظف الذي يسرقك بالقانون؟

نلتقى فى العدد القادم
د. صلاح الديب
تشخيص – إنقاذ – تحصين
خبير إدارة الأزمات والتحكيم الدولي فى مصر والوطن العربي.
مؤسس مكتب خطوات الانقاذ.
الاميل
Dr.salah.aldep@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock