تصريحات غير مسؤولة تهدد السلم المجتمعي وتثير مخاوف الرأي العام
بقلم / سماح محروس
لم تمضِ فترة طويلة على حالة الجدل والغضب الشعبي التي أثارتها تصريحات متداولة بشأن مقترحات تتعلق بقناة السويس، حتى اضطرت الحكومة المصرية إلى إعلان عدم مسؤوليتها عن تلك الطروحات، والتأكيد على أنها لا تتبناها ضمن رؤيتها أو توجهاتها المستقبلية.
لكن صدور هذا النفي، على أهميته، لم يُنهِ حالة القلق، بل فتح الباب أمام مجموعة من الأسئلة المشروعة التي يطرحها الرأي العام حول حدود مسؤولية من يتصدرون المشهد العام، ومدى إدراكهم لخطورة ما يطلقونه من تصريحات تمس قضايا ترتبط بالأمن القومي والسيادة الوطنية والأصول الاستراتيجية للدولة.
فإلى متى يتحمل المواطن المصري الضغوط الناتجة عن تصريحات غير محسوبة، يفترض في أصحابها أن يدركوا مسبقًا حجم ما قد تتركه كلماتهم من آثار سياسية ومجتمعية؟
وعندما يتعلق الأمر بقناة السويس، فنحن لا نتحدث عن مجرد منشأة اقتصادية أو مصدر للدخل القومي، وإنما عن أحد أهم الأصول الاستراتيجية المصرية، ورمز ارتبط بتاريخ طويل من الدفاع عن السيادة الوطنية، ودُفعت من أجله أثمان وتضحيات كبيرة.
ومن هنا، فإن مجرد طرح أفكار قد يفهم منها المساس بهذا الأصل الاستراتيجي أو إدخاله في أية مقايضات يفرض تساؤلات مشروعة بشأن مسؤولية صاحب الطرح، ومدى مراعاته للاعتبارات المتعلقة بالأمن القومي والمصلحة العليا للدولة.
وإذا كانت الحكومة قد أعلنت بوضوح عدم تبنيها لمثل هذه التصريحات، فإن السؤال الذي يبقى مطروحًا هو: هل يكفي النفي وحده؟
ألا تقتضي المسؤولية العامة وجود آليات واضحة للمساءلة عندما تتسبب تصريحات صادرة عن شخصيات محسوبة على المجال العام في إثارة اضطراب واسع، أو التشكيك في ثوابت الدولة، أو إحداث حالة من القلق والاحتقان داخل المجتمع؟
ولماذا يجد المواطن نفسه، في كل مرة، مضطرًا للدفاع عن ثوابت الدولة وسيادتها وأصولها الوطنية أمام تصريحات يفترض أن أصحابها هم الأكثر وعيًا بحساسيتها؟
فليس من واجب المواطن أن يشرح للمسؤول معنى السيادة الوطنية، ولا أن يذكّره في كل مناسبة بخطورة الحديث غير المدروس في قضايا الأمن القومي. المسؤولية العامة تفرض على صاحبها أن يزن كلماته قبل إطلاقها، وأن يدرك أن التصريح في شأن استراتيجي ليس مجرد رأي عابر، وإنما قد تكون له انعكاسات تتجاوز صاحبه إلى المجتمع والدولة بأكملها.
كما أن السلم المجتمعي لا تحميه بيانات النفي وحدها، وإنما تحميه أيضًا الشفافية، والمساءلة، والوضوح في تحديد المسؤوليات، وعدم ترك المواطن فريسة للشائعات أو التصريحات الصادمة والمتناقضة.
إن الاختلاف في الرأي حق، ومناقشة السياسات العامة أمر مشروع وضروري، لكن عندما يصل الحديث إلى أصول الدولة الاستراتيجية وسيادتها وأمنها القومي، فإن الأمر يستوجب أقصى درجات المسؤولية والانضباط.
أما التوصيف القانوني لأي تصريح، وما إذا كان يشكل جريمة أو يستوجب مساءلة جنائية أو إدارية، فهو أمر تحدده القوانين المختصة وجهات التحقيق والقضاء، وليس الانفعال الشعبي أو الأحكام المسبقة.
ومع ذلك، يبقى من حق الشعب أن يطالب بمحاسبة كل من يتجاوز حدود مسؤوليته أو يطلق تصريحات تثير اضطرابًا عامًا دون تقدير كافٍ لعواقبها.
إن أصول مصر الاستراتيجية ليست محلًا للمغامرات الفكرية أو التصريحات المرتجلة، وقناة السويس تحديدًا جزء راسخ من السيادة الوطنية والتاريخ المصري، وقد ارتبط الدفاع عنها بتضحيات أجيال من أبناء الوطن.
ولهذا فإن الحفاظ على الأمن القومي، وصون سيادة الدولة، وحماية ثقة المواطن في مؤسساتها، مسؤولية مشتركة، تبدأ أولًا ممن يتولون المناصب العامة أو يتحدثون في الشأن العام باسم المسؤولية.
وفي النهاية، نؤكد أن مصر تستحق خطابًا عامًا يليق بتاريخها ومكانتها، ومسؤولين يدركون وزن الكلمة قبل إطلاقها، ومؤسسات تواجه أي تجاوز بالوضوح والقانون والمساءلة.
حفظ الله مصر، وحفظ شعبها العظيم، وأبناءها المخلصين، وكل مسؤول يضع الوطن ومصالحه العليا فوق كل اعتبار.



