أقلام حره

د وليد الكاشف يكتب : صناعة الفضيحة أم صناعة القدوة؟

الإعلام بين مطاردة «الترند» وتجاهل أبطال مصر

 

من حق المواطن المصري أن يتساءل: ماذا نريد من إعلامنا الرياضي؟ هل نريده إعلامًا يصنع القدوة، أم إعلامًا يبحث عن الفضيحة؟

في الوقت الذي يخوض فيه أبطال مصر منافسات دورة البحر الأبيض المتوسط، ويبذلون العرق والجهد من أجل تحقيق الميداليات ورفع علم بلادهم، نجد أن جانبًا من المشهد الإعلامي ينصرف عن هذه النماذج المضيئة، وينشغل بدرجة أكبر بأخبار هروب لاعب أو اثنين من ناشئي المصارعة، أو بلقطة جانبية، أو كلمة غير واضحة، أو همسة بين شخصين، لتتحول في ساعات إلى قضية وحوارات وتحليلات وجدال لا ينتهي.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل هذه هي الرسالة التي ينبغي أن يتصدر بها الإعلام الرياضي المشهد؟

لا أحد يطالب الإعلام بإخفاء السلبيات أو تجاهل الأخطاء، فالإعلام الحقيقي مطالب بالكشف والنقد والمساءلة، لكن الفارق كبير بين تناول الخطأ بمهنية وموضوعية وبين تضخيمه حتى يطغى على عشرات القصص الإيجابية والإنجازات التي تستحق أن يعرفها الجمهور.

من الطبيعي والمنطقي أن يشعر المواطن بالاستياء عندما يرى الأزمات واللقطات المثيرة للجدل تتصدر الشاشات والمنصات، بينما لا يحصل الأبطال الذين يتدربون لسنوات ويقاتلون من أجل ميدالية باسم مصر على المساحة الإعلامية نفسها.

للأسف، وقع جزء من الإعلام الرياضي خلال السنوات الأخيرة في فخ البحث عن «الترند» والمشاهدات، وكأن قيمة الخبر أصبحت تُقاس بعدد التعليقات والمشاركات وليس بأهميته الحقيقية للمجتمع والرياضة المصرية.

وقد تكون النتيجة أن يتحول لاعب أخطأ إلى أشهر اسم على مواقع التواصل الاجتماعي، بينما يظل بطل حقق ميدالية ورفع العلم المصري مجهولًا لدى قطاع واسع من الجمهور.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.

فنحن لا نتحدث فقط عن تغطية بطولة رياضية، بل عن صناعة وعي وثقافة لدى جيل كامل من الشباب.

عندما يرى الشاب أن صاحب الأزمة يحصل على ساعات من البرامج والتغطيات، بينما يحصل صاحب الميدالية على دقائق معدودة، فما الرسالة التي نرسلها إليه؟

هل نقول له إن الإنجاز طريق الشهرة، أم إن إثارة الجدل هي الطريق الأسرع إليها؟

أبطالنا في كرة اليد والمصارعة والجودو وتنس الطاولة والسلاح، وغيرهم من الرياضيين في الألعاب الفردية والجماعية، يستحقون أن يعرف الجمهور أسماءهم وقصصهم وحجم ما قدموه من جهد.

وما زالت سلة الميداليات مفتوحة أمام أبطال مصر في الكاراتيه وألعاب القوى وغيرها من المنافسات، وهؤلاء جميعًا يستحقون دعمًا إعلاميًا وشعبيًا يليق بما يقدمونه.

والأهم أن الكثير من هؤلاء الأبطال يحققون نتائج متقدمة رغم أن الإمكانات المتاحة لهم قد تكون أقل من تلك الموجودة لدى منافسيهم في بعض الدول المتقدمة التي تمتلك ميزانيات ضخمة ومنظومات إعداد أكثر قدرة على الإنفاق.

ولهذا فإن كل ميدالية مصرية ليست مجرد قطعة معدنية تُضاف إلى جدول النتائج، وإنما وراءها سنوات من التدريب والتضحيات والإصابات والسفر والابتعاد عن الأسرة والالتزام بنظام حياة قاسٍ لا يراه الجمهور.

هذه القصص هي التي يجب أن نبحث عنها.

نريد أن نعرف من هو البطل، وكيف بدأ، وكم مرة خسر قبل أن يفوز، وما العقبات التي واجهها، ومن وقف إلى جواره، وكيف استطاع أن يصل إلى منصة التتويج.

هذه هي صناعة القدوة الحقيقية.

ليس المطلوب أن يتحول الإعلام إلى نشرة علاقات عامة، ولا أن يخفي الأخطاء تحت السجادة، ولكن المطلوب هو التوازن والعدالة في اختيار ما يُقدَّم للجمهور.

ناقشوا الأخطاء، نعم.

حاسبوا المقصرين، نعم.

اطرحوا الأسئلة الصعبة، نعم.

ولكن في المقابل، أعطوا الإنجاز حقه، والبطل حقه، والعلم المصري الذي يرتفع على منصات التتويج حقه.

فالإعلام ليس مجرد كاميرا تبحث عن أكثر المشاهد إثارة، وإنما قوة تستطيع أن تصنع نموذجًا يحتذي به ملايين الشباب.

وكما تستطيع الشاشة أن تصنع من أزمة صغيرة قضية رأي عام، فإنها تستطيع كذلك أن تجعل من بطل رياضي قدوة لطفل يحلم بأن يكون يومًا ما بطلًا لمصر.

لذلك نقول للإعلام الرياضي بكل تقدير: غيّروا المشهد من السلبي إلى الإيجابي، ومن صناعة الجدل إلى صناعة القدوة.

ابحثوا عن أبطالنا، اقتربوا منهم، احكوا قصصهم، ضعوا صورهم على الشاشات، وعرّفوا أبناء مصر بمن يرفعون علمها في المحافل الرياضية.

فالشباب المصري يحتاج إلى نماذج يفتخر بها، وأبطال مصر يستحقون منا جميعًا ــ إعلامًا وجمهورًا ومؤسسات ــ أكثر من مجرد خبر عابر بعد الفوز.

صناعة القدوة أصعب من صناعة الفضيحة… لكنها بالتأكيد أبقى أثرًا، وأعظم قيمة، وأكثر نفعًا لمستقبل شباب مصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock